الميمر العشرون
هناك ثلاث دوافع للصمت الدائم وحفظ السكون :
إما مــــــن أجل نيل كرامــــة من الناس .
أو بسبب غيرة حارة لممارسة الفضيلة .
أو أن فى داخل الإنسان مناجاة إلهية ينجذب فكره نحوها .
ومن لا يصدر عنه هذان الأمران ( أى الصمت الدائم وحفظ السكون )
بدافــــــــــــــــع من أحد الســــببين الأخـــــيرين ،
فمن الضرورة أن يكون مستسلم للسبب الأول .
الفضيلة ليست أعمالاً كثـــيرة تــــــؤدى بالجسد ظـاهرياً ،
بل هى القلب الحكيــــم فى أمــــــله ورجـــــــــائه ،
لأنــــــه يواصل جهاده ( الجسدى ) بقصد مستقيم .
فى مرات كثـيرة لا يكون بيــــد الإنسان القــــدرة على تكميل الأعمـــــــــــــــال ،
فيمكـــــن للفكـــر جنى الفضيلة ، وعمل الصلاح بدون أفعــال جســــــــــــدانية ،
ولكن الجسد إن فعـــل فعــلاً ما بدون حكمة ( استنارة ) القلب ،
فلتتتن ينتج عن ذلك منفعـــة .
فإنســـان الله الذي امتــــلأ من فعـــل الخــــــــــــــــــير ،
فلا يصبر دون إظهار محبته لله بمشقة الأعمال الظاهرة .
المرتبة الأولى ( أى فضيلة الفكــــــــــر ) فدائمـاً تنجـــح ،
وأما الثانيـــــة ( أى الجهاد الجسدى فقط ) فتنجح حينــــا ،
وحينا تفشـــــل .
لا تظن يا هذا إن الابتعــــــاد عـــــن مســــــــــببات الآلام ،
( وهذا يكون بالالتزام بحياة السكون ) أمر هين أو شيء يسير .
حــركة الجســــد :
إن خلجات أعضاء الجسم السفلية ،
والتى لا تكون بســـبب الأفكـــار الحــــــــــــادة الناتجـــــــــــــــة عن اللذة الدنسـة ،
والتى تتحرك بحرارة ، وتجذب النفس للجنون والشقاء رغمــــا عن إرادتهـــــــــا ،
هي بغير شــك مـــــن امتلاء البطن ، لأن ذلك الأمر لا يتـــــولد في الجسم بدونها .
وثــــــــــــــق أن الابتعاد عـــن مشاهدة النساء هو سلاح عظيم في هذا الجهـــــاد ،
لأن المعاند ( الشيطان) لا يقدر أن يفعــل فينــــــــــــــــــــــــــــا ما تقدر الطبيعـــة
(طبيعة الجسد)
أن تفعله بقوتهـــــــــــــــــــــا .
ولا تظن يا هذا أن الطبيعة تنسى ما هو مغروس فيهـــــــــــــــا من الله حتى الموت ،
لأن هـــــــــــــذا غرس طبيعى لأجل النسل ، ( ولأجل ) الامتحان في الجهــــــــــــــاد .
إلا أن الابتعاد عن الأطعمة يميت الشـــــهوة الموجــــــــــــــــودة في الأعضــــــــــاء ،
ويبعث علــــــى نســـــــــــــــــــيانها .
صور الأمور البعيدة التي تجوز فى الفكر اجتيازاً تحدث حركة باردة ضعيفة فى ذاتها ،
وهذا شـــيء غير الأفكار التي تكون من المادة ( أى الأمور القريبة التي تثير الشهوة )
فهـــــــــــــى تغرق الفكر فى مناظر لا تنسى ،
والدنو منها يحرك الشهوات ويثــــــــــيرها ،
ويشـــــــعل الإنسان كما يشــعل الزيت نور المصبــــــاح ،
ويأجــــــج الشــــهوة التي كانت مائتة ومنطفئــــــــــــــة ،
ويثير لجة الجسد بشهواته المضطربة على سفينة الفكر .
هذه الحركة الطبيعية الساكنة فينا هي لأجل النسل فقط ،
لــــــــــــــذا فهـــــــى لا يمكن أن تشوش وتزعج الفكر ،
وتبعده عــــن الطهـــــــــــــــــــارة ،
والعفة لا تقلق بدون مثير خارجى ،
فــــالله لم يعط قوة للطبيعة لتقهــــــر الإرادة الجيدة الموافقـــة لرأيه ،
بـــــــل متى انغــلب الإنسان ســواء من الغضب أو من الشـــــــهوة ،
فليست قوة الطبيعة هى التي غلبته ودفعته للخروج عن حد الطبيعة ،
وعـــن الالتزام بما يجب ، بل الدوافع التي تزداد بها الطبيعة بإرادتنا ،
هـــــى التي من شأنها أن تؤذينا ،
لأن الله تبارك اسمه صنــع كل شيء على ما ينبغى بموجـــــب الطبــــــــــــع .
وبمقدار ما تحفظ القوى الطبيعية فينا على نظامها السوى،
بقـــــدر ما تعجز عن إرغامنا للميل عن الطريق المستقيم ،
بـــــــل يتحرك الجسد حركات هادئة .
إذا : ينبغى لنا العلــــم بـــأن العــارض الطبيـــــــعى الذى فينـــــــــــا ،
ليـــــــس لأجل الإثارة والضغط وإعاقة السلوك في منهج العفة ،
ولا لكـــى يظلم العقــــل بالغضب ، أو أن يحركه ليستسلم للعناد ،
والسخط غير الطبيـــــــــــعى ،
ولكن إن نحــــــــن انقدنا إلــــى الأمور الحسية ،
التـــي بواســــطتهــا ،
يثور الغضب ثــــــوراناً زائــداً عن الطبــــــع ،
إمــــا بمأكـل أو بمشرب بكمية زائــــــــــــدة ،
وإما بالانشغال بالدنــــو من النســـــــــــاء ، والنظـــر إليهـــن ،
والمحادثة معهــن ،
( هذه الأمور ) تضطـرم منها الشــــــــــهوة وتتأجج في الجسد .
إننا بـــــــذلك نحــــــول الوداعة الطبيعية إلى وحشـــية ،
بســـــبب كثرة الاخــــــــــــــلاط الجســدية ،
أو بسبب رؤية أمــــــــــــــــــور متعـــددة .
وقد تكـــون حركة هذه الأمور – فى بعض الأوقـــــــــــــــــــات –
نتيجة تخــلى ( معونة الله عنا ) بســــــبب الكبرياء والتيــــــــــه ،
وهـــــــــــذه ليست كذلك ، فحركة الجسد ندعوها قتالات الحرية ،
وهى مـــــــن أمـــــــور الطبيعــــــــــة العامـــــــــــة ،
أمـــــــــا إذا نجم القتال عـــن تخـــــــلي ( النعمة ) بسبب إعجابنا ( بأنفسنا ) ،
وزهونــــا بها عندئذ فلنعلم أننا تركنا فى القتـــــــال لكـــي نتعلم الاتضــــــاع ،
إذ تصورنا إننا أتقنا شيئا ما بسبب ملازمتنا اليقظة والعمل مدة من الـــــزمن .
ولكـــــــــــــــن بقية الحروب الحادثة معنا هذا السـبب ،
والتى تكـــــون فـــــــــــوق الطــــــــاقة ،
فهــــــــــــــــى بســــــــبب تهاوننـــــــــا وتكاســـــلنا ،
لأن الطبيعــــة إذا قبلت ما هو زيادة عن حاجة البطن أو الحواس ،
فلــــــــــــــــــن تحفظ فيما بعد نظامها الطبيعى الذي جبلت عليه .
فالـــــــــــــذى يطرح الأحــــــزان ( الضيقات ) ولا يلزم مسكنه ،
فهــــــــــــــــو بغير إرادته يخضع لحب الذنــوب والخطــــــــــايا ،
لأن بــــــــدون هذه أعنى التعب والحبس لا نقدر على الابتعاد عن إغراءات الفكـــــــر ،
فبمقــــــــــدار ما يتكاثر النصب ( أي تعب الجهاد ) بمقـــدار ما تقل هذه الإغراءات ،
لأن الضوائق تبيـــد لذة الشــهوات ،
وأما الراحة فإنها تجلبها وتنميها .
إذا قد علمنا بوضوح أن اللـــــه وملائكتـــــه يبتهجون بالشدائد والضيقــات ،
( التي يفرضها المجاهد على نفسه ) ،
وأما الشيطان وجنوده فهــم يسرون بالنيــــاح والراحة .
إذا كانت وصايا الله تتــم بالأحزان والتضييق على الجسد ، وكنا نحن نتهاون بهـــا ،
فإننــــــــــــــــــــــا إذا نتحــــايل فى إهــــانة الذي أوصانا بها لمحــاربة الشهوات ،
الــتي تتولد فينـــــــــــــا مـــن الراحـــــــــــــــة ،
ونعطل دوافع الفضيــــلة أعني الكآبة والضيــق .
على قـــــــدر ما نقضى فى الراحة ، نهيئ فينا موضعاً للشهوات ،
لأن الأفكـــار لا يمكن أن تستغرق فيما هو باطل فى جسد متعــب .
والإنســـــان الـــذى يمارس بفرح الأحزان والأتعــــــــــــــــــــاب ،
يتمكن بقــــوة مــن إلجــــــام الأفكــــــــــــــــــــــــار ،
فهــي نفسها توقف بالأعمـال والتعــــــــــــــــــــــب .
وإذا ذكر الإنسان ما صدر منه ، وما ارتكب من جـــــرائم وآثــــام ،
وعاقــــــب ذاتـــــــــــــــــــــــــــه ،
فحينئـــــــــــــــذ يهتم به البارى ويريحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ،
لأنه يسر به إذ حكم على ذاته بما يجب لأجل جنوحه عن طريقه ،
وهــذا هو دليـــل التوبة .
وبقــدر ما يعنــــف ذاته ، ويحقــرها ،
تتزايد كرامته مــن لدن الله ســـبحانه .
كل فرح لا تكـــــون علتــــــه الفضيـــــــــــــلة ،
فإنــــه يحرك فينا على الفور حركة الشهوات ،
واعلم أننا نتكلم عن الآلام الشــــــــــــهوانية ،
وليس الطبيعيـــــــــــــة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق