مدونـة رئيــس الملائكــة رافائيـــل

بسم الآب والابن والروح القدس اله واحد امين : مدونة رئيس الملائكة رافائيل ترحب بكم : افرحوا فى الرب كل حين واقوال ايضا افرحوا (فيلبى 4:4)

الثلاثاء، 29 يناير 2013

نشيد الانشاد ـ القديس امبروسيوس ـ 5 ـ جهاد النفس المؤمنة


خامساً : جهاد النفس المؤمنة

التزام النفس باليقظة
38. يلزمنا أن نكون دومًا يقظين ساهرين، لأن كلمة الله يقفز كغزال أو كالإيل (نش 2: 9) يليق بالنفس التي تطلبه وتتوق إلى امتلاكه أن تكون في يقظة دائمة، وتحافظ على وسائل دفاعها. "في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي" (نش 3: 1)، كأنه يتسلل إليها.
يلزم أن من يطلب باهتمام، يطلب وهو في فراشه، يطلب في المساء، فلا تكون له ليالٍ ولا أجازات، لا يخلو وقته من خدمة صالحة. وإن لم يجده في بادئ الأمر فليثابر في البحث عنه. لهذا تقوم النفس: "إني أقوم وأطوف في المدينة، في الأسواق، وفي الشوارع" (نش 3: 2). ربما لا تجده الآن، لأنها بحثت عنه في الأماكن العامة حيث دعاوي الحكم والقضاء وفي الشوارع والأسواق، حيث بضائع للبيع، فالمسيح لا يمكن أن يُقتنى بأي قدر من المال.
أين تجد النفس عريسها؟

يرى القديس أمبروسيوس أن النفس المؤمنة تجد عريسها السيد المسيح في الأماكن التالية:

أ. في الأماكن العامة للمدينة: حيث يُقدم زيت النعمة المجانية للجميع، وحيث يشرب المؤمنون من الينابيع الحية في الشوارع.
ب. داخل النفس، بكونها المدينة المسوَّرة بالسيد المسيح والساكن فيها في نفس الوقت.
ج. في الكنيسة، أورشليم السمائية، حيث كلمة التعليم الصادقة وروح العبادة.
39. يمكننا أيضًا أن نفسر العبارة على النحو الآتي: النفس التي تطلب المسيح على فراشها، أي تطلبه وهي في هدوء وسلام، تبحث عنه ليلاً، لأنه تحدث بأمثال (كما في غموض الليل) (مت 13: 13؛ حز 21: 5). "جعل الظلمة ستره" (مز 18: 11)، و "الليل إلى ليل يُبْدي علمًا" (مز 18: 11). وأيضًا "لأن ما نقوله في قلوبنا نندم عليه في مضاجعنا" (مز 4: 4). لكنها لا تجده بهذه الوسيلة، لهذا تقول: "سأقوم"،
أي أقوم وأضاعف جهدي، لأبحث عنه بلا هوادة، سأبحث عنه بدقة، سأدخل المدينة (أي تدخل أعماقها بكونها مدينة الله). تقول النفس: "أنا مدينة قوية، مدينة مسوّرة" (إش 27: 3LXX ). وهي المدينة المسوَّرة بالمسيح؛ المدينة هي أورشليم السمائية (عب 12: 22) التي يوجد فيها مُفَسِّرُو ناموس الله ورجال حاذقون في التعليم بوفرة عظيمة، خلالهم يطلب الإنسان كلمة الله.
"أطوف في الأماكن العامة للمدينة"، أي في الساحات التي يمارس فيها المحامون القانون، وحيث يُباع الزيت الذي تشتريه عذارى الإنجيل الحكيمات (مت 25: 8-9) لكي تستضيء مصابيحهن على الدوام، ولا يُطفئها دخان الإثم.
أطوف في الشوارع حيث تفيض المياه المتدفقة من تلك الينابيع، التي يقول سليمان بأنه ينبغي على الإنسان أن يشرب منها.

لنتطلع إلى ما وراء الملائكة
40. وبينما تطلب (النفس) المسيح، تجد الحراس الذين في خدمته (نش 3: 3)؛ لكن النفس التي تطلب الله تتجاوز أيضًا الحراس، فإنها تطلب الأسرار التي تشتاق حتى الملائكة أن تطَّلع عليها. في هذا الصدد يقول بطرس: "التي أُخبِرْتم بها أنتم الآن بواسطة الذين بشروكم بالإنجيل في الروح القدس المرسل من السماء التي تشتهي الملائكة أن تَطَّلع عليها" (1 بط 1: 12) الإنسان الذي يتجاوز إلى ما وراء الحراس يجد الكلمة. لقد تجاوز يوحنا فوجد الكلمة مع الآب (يو 1: 1).

المسيح حاضر في ضيقات مؤمنيه
41. يوجد كثيرون يطلبون المسيح في تَرَفِهِم فلا يجدونه، إنما يجدونه في الاضطهادات، يجدونه سريعًا... لأنه حاضر في ضيقات مؤمنيه. تقول النفس: "فما جاوزتهم إلاَّ قليلاً حتى وجدت من تحبه نفسي فأمسكته ولم أُرخِه (لم أَدَعه يذهب)" (نش 3: 4 LXX)، لأن من يطلب يجد (مت 7: 8)، ومن يجد يليق به أن يظل قريبًا منه حتى لا يفقده.

المسيح ليس في القبر!
42. إذ نرى الأسرار السماوية تُمثَّل رمزيًا على الأرض من خلال الإنجيل فلنأْتِ إلى مريم المجدلية ومريم الأخرى (مت 28: 1؛ لو 24: 3، 10). فلنتأمل كيف طلبَتا المسيح ليلاً في سرير (فراش) جسده، الذي رقد عليه ميتًا، حين قال لهما الملاك: "إنكما تطلبان يسوع المصلوب؛ ليس هو ههنا، لأنه قام... لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟" (مت 28: 5-6؛ لو 24: 5).
لماذا تطلبْن في القبر ذاك الذي هو الآن في السماء؟ لماذا تطلبْن في قيود القبر من يحرر الجميع من رباطاتهم؟ ليس القبر سكناه إنما السماء! لهذا تقول إحداهن: "طلبته فما وجدته" (نش 3: 1).

اِمسكيه أيتها النفس بالإيمان!
43. إذ ذهبتا تخبران الرسل أشفق يسوع على طالبيه، إذ قابلهم وقال لهم: "سلام!". نهضوا وأمسكوا بقدميه بقوة وسجدوا له (مت 28: 9). يُمْسِك يسوع بقوة، وهو يُسَرُّ بذلك، أن يُمسك بقوة بالإيمان. أيضًا المرأة التي لمسته قد أَبْهجته، وقد شفيت من نزيف الدم؛ إذ قال عنها: "قد لمسني واحد، لأني علمت أن قوة قد خرجت مني" (لو 8: 46).

المسوه وامسكوه بقوة الإيمان.
امسكوه بالإيمان جيدًا بقدميه، فتخرج منه قوة وتشفى نفوسكم.
مع أنه يقول "لا تلمسيني، لأني لم أصعد بعد إلى أبي" (يو 20: 17). امسكوه بقوة! إنما قال مرة واحدة فقط: "لا تلمسيني!"
في وقت قيامته... قالها لمن ظنت أنه سُرِق ولم يقم بقدرته الذاتية! لكنكم تقرأون في إنجيلٍ آخر أنه قال للنسوة اللواتي كن يمسكْن قدميه بقوة ويسجدْن له: "لا تخفْن" (مت 28: 10).
لتمسكيه أيتها النفس بقوة كما فعلت مريم (المجدلية)، وقولي: "أمسكته ولم أرخه"، وكما قالت المرأتان أيضًا: "نحن نمسكك بقوة".
اذهب إلى الآب، لكن لا تترك حواء خلفك لئلا تسقط مرة أخرى! خذها معك، لأنها الآن لا تجول شاردة بل تتمسك بقوة بشجرة الحياة. أمسك بها فتلتصق هي بقدميك وتصعد معك. لا تَدعْني أذهب (بعيدًا عنك) لئلا تنفث الحية سمَّها مرة أخرى، وتحاول لدغ قدم المرأة فتُسْقِط آدم (تك 3: 5).
لتقل نفسك: "فأمسكته ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة مَنْ حبلت بي" (نش 3: 4، 8: 2).

لأعرف أسرارك وأنهل من تعاليمك.
خذ حواء، ولكن ليست وهي مغطاة بأوراق التين (تك 3: 7). وإنما وهي مكسوَّة بالروح القدس ومجيدة بنعمة جديدة. لذلك فهي لا تختبئ كمن هي عريانة (تك 3: 8-13)، إنما تأتي لمقابلتك متسربلة بثوب بهي ساطع، إذ تصير النعمة ثوبها. وذلك كما كان آدم في البداية حيث لم يكن عاريًا لأنه كان مرتديًا البراءة

التصقي به واصعدي معه بالصلوات الورعة والإماتة
44. تراها بنات أورشليم (نش 3: 5) وهي ملتصقة بالمسيح ولا تزال تصعد معه، إذ يَقْبل أن يلتقي مع مَنْ يطلبونه ويستجيب لهم ليرفعهم؛ فيقلْنَ: "من هذه الطالعة من البرية؟" (نش 3: 6)، إذ تبدو هذه الأرض برية قاحلة. فهي مملوءة بحسك خطايانا وأشواكها. إنهن يتعجَّبْن كيف أن نفسًا قد هُجِرت قبلاً في الجحيم تلتصق بكلمة الله وترتفع كغصن الكرمة الذي يعلو في المناطق المرتفعة أو كدخانٍ صادر من النار يطلب المرتفعات، وهي معبَّقة بأطياب زكية.
ها رائحة صلاة ورعة ذكية تنبعث كبخور قدام الله. نقرأ في الرؤيا أنه قد "صعد دخان البخور مع صلوات القديسين" (رؤ 8: 4، مز 141: 2). ويُقدَّم البخور - أي صلوات القديسين - بواسطة ملاك "على مذبح الذهب الذي أمام العرش" (رؤ 8: 3).
إنها بحق معبقة بالدهن الحلو للصلاة الورعة، فقد أُعِدَّ الدهن بالصلوات لأجل الأبديات غير المنظورة، وليس لأجل الأمور الجسدانية.
أكثر من هذا، فإن النفس معطَّرة بالبخور والمرّ (نش 3: 6)، لأنها ميتة عن الخطية وحيّة لله (رو 6: 2، 11).
45. تراها (بنات أورشليم) تصعد دون عائق، فتفرحْنَ لشذى(لشذا) استحقاقاتها الطيب، إذ يعرفْن أيضًا أنها عروس سليمان صانع السلام، لهذا تتبَعْها في موكب موالٍ حتى تخت سليمان (نش 3: 7)، لأن الراحة الحقيقية اللائقة بها هي في المسيح الذي هو تخت القديسين، الذي فيه تستريح قلوب جميع المثقلين بحروب العالم. على هذا التخت استراح إسحق، وبارك ابنه الصغير (تك 27: 27)، قائلاً: "الكبير يُستعبد للصغير" (تك 25: 23).
 وإذ اتكأ يعقوب على هذا التخت بارك الاثني عشر بطريركًا (تك 48: 2، 49). وبالاستلقاء على هذا التخت قامت ابنة رئيس المجمع من الموت (مز 5: 35-43). وبالرقاد على ذلك التخت حطم ابن الأرملة الميت قيود الموت حينما دعاه صوت المسيح (لو 7: 11-17).

تمتعي بأغنية الحب الزيجي
46. وحينما اُقْتِيدتْ العروس إلى موضع الراحة في عرسها غنت بنات أورشليم لها أغنية الزواج وعبَّرْن عن الحب: "اُخرجْن وانظُرْن الملك سليمان بالتاج الذي توَّجْته به أمه في يوم عرسه" (نش 3: 10-11). إنهن يُرنّمْنَ أغنية الزفاف ويدعون القوات السمائية الأخرى أو النفوس لترى حب المسيح نحو بنات أورشليم (نش 3: 11). بهذا استحق أن تُتوِّجه أمه، كابن مُحبّ، وكما يوضح بولس قائلاً: "أَنقذَنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابنه المحب (ابن محبته)" (كو 1: 13). فهو إذن ابن المحبة وهو محبة. إنه لا يقتني الحب عرضًا لكنه يملكه في جوهره...
يُقال: "اُخرجْنَ" أي "اُخرجْنَ من حدود الجسد"، اُخرجْنَ من أباطيل العالم، وانظرْنَ كيف يحمل ملك السلام الحب في يوم عرسه، كيف هو مملوء بالمجد، إذ يَهَب قيامة للجسد ويوحّد النفس به (بالمسيح). هذا هو إكليل الجهاد العظيم. هذه هي الهبة الرائعة لزواج المسيح: دمه وآلامه! ماذا يمكن أن يُعطى أكثر من هذا؟ إنه لم يبخل بنفسه بل بذل ذاته بالموت لأجلنا (رو 8: 32).

استوطني مع العريس السماوي
47. إذ يفرح الرب يسوع نفسه بإيمان هذه النفس واعترافها ونعمتها، يمتدح استحقاقها، ويدعوها إلى الاقتراب منه، قائلاً: "هلمي معي من لبنان يا عروسي. تعالي معي من لبنان، ستأتين. أجل، تعالي آمنة من المنبع الذي هو الإيمان، من رأس شير وحرمون، من خُدور الأسود، من جبال النمور" (نش 4: 8LXX ). أي اخرجي من الجسد، وتجردي منه تمامًا، فإنه لا يمكنك أن تكوني معي ما لم تخرجي عن الجسد، لأن الذين هم في الجسد متغربون عن ملكوت الله (2 كو 5: 8).
"تعالي... تعالي". التكرار هنا حسن، لأنكم سواء كنتم حاضرين (في الجسد) أم غائبين (عنه) يلزمكم أن تستوطنوا عند الرب إلهكم وأن تسرّوه. تعالوا عندما تكونون حاضرين، وتعالوا عندما تكونون غائبين، وأنتم لا تزالون في الجسد، لأنه بالنسبة لي فجميعكم حاضرون يا مَنْ إيمانهم معي.
إنه معي، ذاك الذي يخرج من العالم.
إنه حاضر معي مَنْ غاب عن ذاته.
إنه مستوطن عندي مَنْ ينكر نفسه (مز 8: 34).
هو معي مَنْ ليس داخل نفسه، لأنه مَنْ كان في الجسد لا يكون في الروح.
إنه معي مَنْ يخرج عن ذاته.
إنه يقترب مني مَنْ كان خارجًا عن ذاته.
إنه بكلّيته لي مَنْ فقد حياته لأجلي (مت 10: 39).
تعالي، تعالي، يا عروسي. إنك ستأتين أمان تعالي آمنة من المنبع الذي هو الإيمان. إنها تأتي، أجل تأتي في أمان من الأرض، تأتي في أمان إذ تجيء إلى المسيح. تأتي باستحقاق الإيمان، ومجد الأعمال التي تُشرق مثل شير وحربون، أي تأتي في طريق نور وقد غَلبت تجارب العالم، وقهرت أرواح الشر (أف 6: 12). تطلب إكليل الجهاد القانوني وتستحق أن تُمدح من المسيح الديّان.

عريسك يمتدح طهارتك
48. "أنتِ جنة مغلقة يا أختي العروس، جنة مغلقة، ينبوع مختوم، أغراسك فردوس رمان مع أثمار أشجار ونباتات عطرة" (نش 4: 12-13 LXX).
تُمدح العروس لأنها جنة، لها في داخلها أريج حقل مثمر، يقول عنه إسحق: "رائحة ابني كرائحة حقل مبارك (مثمر)" (تك 27: 27). النفس الصالحة تكسب شذى البرّ...
الجنة مغلقة حتى لا تغزو الحيوانات الضارة النفس، والينبوع مختوم لتغْسِل آثامها بكمال الختم (ختم المعمودية) وبثباتها في الإيمان.
الينبوع الذي ينبع من الكنيسة يحمل ما يُنسَب إلى نعمة البتولية. دُعِيَ بحق ينبوعًا مختومًا، لأن صورة الله غير المنظور (كو 1: 15) متمثلة فيه.
يوجد أيضًا مديح للنفس التي يرسلها العريس فتأتي متشحة بها. عطايا النفس الورعة هي الأطياب الذكية التي للمرّ والزعفران التي تفوح في الجنات الجميلة والتي تنزع نتانة الخطايا.

عريسك يطلب ثمرك
49. إذ لا تنزعج بهذا الإعلان العظيم تسأل ريح الشمال العاتية أن تسكن حتى لا تحطم الزهور، وأن تهبّ ريح الجنوب، أي أنها تريد أن ينتهي الشتاء وتحل نسمات فصل ألطف هو الربيع (نش 4: 16، 2: 11). لماذا لم يكتب الاصحاح الأصغر الأول؟؟؟
إنها تدعو عريسها إلى جنتها (نش 4: 16)، لينزل ويبتهج بتنوّع ثمارها، يفرح إذ يجد طعامًا أقوى وأحلى. يوجد نوع من خبز الكلمة والعسل، يوجد حديث أكثر غيرة وإقناعًا. يوجد إيمان يُعطي دفئًا أكثر من الخمر، وأكثر نقاوة يشبه مذاق اللبن. يقتات المسيح فينا من هذا الطعام ويشرب من هذا الشراب.
يطالبنا بالخمر المسكر الذي به نرحل عن الأمور الدنيا إلى ما هو أفضل

العودة إلى : 

نشيد الانشاد ـ القديس امبروسيوس ـ 6 ـ يقظة النفس الهائمة حباً


سادساً : يقظة النفس الهائمة حباً

نشيد الانشاد ـ القديس امبروسيوس ـ 7 ـ سمات النفس العروس


سابعاً : سمات النفس العروس

مُبهجة وكاملة وجميلة
57. يمتدحها العريس لأنها طَلَبته حسنًا وبإصرار، وهي الآن تُدعى فقط أختًا، بل أيضًا مبهجة، إذ هي سرور ذاك الذي هو موضع سرور الآب (مت 17: 5)، وجميلة كأورشليم وموضع إعجاب في تنظيمها (أو هندامها) (نش 6: 3). لأنها تحمل كل أسرار المدينة السماوية، تُثير إعجاب كل من يتطلع إليها. لأنها مثل البرّ الكامل التام تكتسب بهاءها من نور الكلمة، وتسعى جاهدة نحوه على الدوام. تصير أيضًا مُرهِبة كلما تقدمت في تدبيرها إلى مرتفعات الفضيلة.
لهذا يقول لها كما إلى شخص كامل: "حوِّلي عني عينيكِ" (نش 6: 5)... فمن فيض الإيمان والتقوى قد تجاوزت قدرتها الطبيعة؛ لكنه أَمْر صعب أن تنظر مباشرة إلى النور الذي لا يُدْنى منه (1 تي 6: 16). "حوِّلي عني عينيكِ"، لأنهما لا يستطيعان احتمال ملء اللاهوت وبهاء النور الحقيقي.
يمكننا أيضًا تفسير "حوّلي عني عينيكِ" هكذا: وإن أصبحْتِ كاملة، فإنني ملتزم أن أُخلِّص نفوسًا أخرى وأقويها، فإنكِ إذ تتطلّعين إليَّ تمجدينني (تنشغلي بمجدي دون اهتمام بخلاص إخوتك) لكنني نزلت لكي أمجد كل البشر (يو 6: 38-40). إن كنت قد قمت وها أنا في عرش الآب (عب 8: 1؛ 12: 2) لن أترككم يتامى (يو 14: 18)، محرومين من عون أب، إنما بحضوري أقويكم. هذا ما تجدونه مكتوبًا في الإنجيل: "أنا معكم حتى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).
[يرى القديس أمبروسيوس أن السيد المسيح، كمعلم كل البشرية، ينبغي ألاَّ ينشغل الإنسان الكامل بالتطلع إلى أمجاد المخلص كمن يُشغِله عن الاهتمام بخلاص صغيري النفوس. إنه يتحدث كما بلغة البسطاء لكي يُظهِر لنا مدى انشغاله بالنفوس البعيدة والمحرومة منه. وبهذا يحثنا أن نجاهد في خلاص إخوتنا، ولا نقول مع القديس بطرس: جيد أن نكون ههنا].
تأملوا الآن معلمًا يرغب في أن يشرح لسامعيه أمرًا غامضًا. فمع كونه متحدثًا لبقًا يجيد الكلام، لكن يليق به أن ينزل إلى مستوى جهل غير الفاهمين ليستخدم معهم لغة الحديث اليومي البسيط والسهل حتى يفهموه. فمن كان حصيفًا سريع البديهة بين سامعيه يقدر أن يتتبَّعه بسهولة، وعندما يقع نظره عليه يكبحه المعلم لكي يسمح له أن يقضي وقتًا بالحري مع مَنْ هم أكثر منه تواضعا وأقل منه في المستوى، حتى يستطيع غيره أن يتابع المعلم.

أعمالها مُشرقة ومدوية
58. كما جاء في أكيلا Acylas ]ربما يقصد ترجمة Aquila] "مدوية كمن هي مُعلنة" (نش 6: 9).
إنها مدوية، إذ عجيبة هي أعمالها في قدرتها وغِنَى فاعليتها.
إنها مُعلَنة، وذلك لضياء أعمالها، إذ تُشرق أعمال النفس في حضرة الآب السماوي (مت 5: 16). لهذا تفهمون أن إزارها لم يُخلع بلا سبب، لكنها وإن كانت عارية لكنها متألقة في استحقاقاتها.
تتسم بوحدة الروح
59. تُمتدَح بالأكثر لأنها أمينة وقوية في حديثها، وفيرة هي ثمارها العديدة المتنوعة. إنها كحمامة واحدة (نش 6: 9)، لها وحدانية الروح الذي فيه سلام يجعل الاثنين واحدًا (أف 2: 14). تتألف من عناصر مغايرة ذات طبيعة مختلفة متقابلة. أي شيء غير متجانس مثل النار والماء، الهواء والأرض، الذي منه يتألف المخلوق جسمنا؟ هكذا أيضًا "مباركة هي النفس الصادقة بالتمام" (أم 11: 25 LXX) التي تتشبَّه بالقائل: "ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا" (يو 17: 21).
 هذا هو تحقيق الكمال والتمام. بهذا النحو أضاف أيضًا: "ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد (وحدة)" (يو 17: 22-23). لهذا مثل هذه النفس هي حمامة واحدة، صادقة وروحية، لا تضطرب بشهوات الجسد مع وجود صراعات من الخارج ومخاوف من الداخل (2 كو 7: 5).
يعلمنا الكتاب المقدس أن لفظة "وحدة" تعني التوافق والسلام، إذ قيل: "وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة ولم يكن انقسام بينهم" (أع 4: 32).

مُخصبة ومثمرة
60. تُمدَح النفس لخصوبتها، وذلك ليس بدون سبب، من جهة لأنها ولود في الفضائل، ومن جهة أخرى أنها بلا شر في ذاتها. إنه لأمر جميل ألاَّ يوجد شر، إنه جميل ما هو صالح، أما الشر فليس بجميل. الخصوبة في الأعمال الصالحة جميلة؛ أما العقم فمضاد للجمال، إذ يوجد شر فيما هو محروم من الجمال واللياقة. ما هو شر فهو عقيم وغير مخصب. وما أدل على ذلك ما تقدمه الطبيعة. الأرض الجيدة خصبة ومثمرة، أما الرديئة فمجدبة وبور.
كان مناسبًا ما قيل بالنسبة للرب نفسه بعد أن جعل الكنيسة تزداد خصوبة: "الرب قد ملك، لبس الجلال" (مز 93: 1). وفي نص آخر: "مجدًا وجلالاً لبست" (مز 104: 1). واضح إذن إن ما هو ولود وخصيب جميل، وما هو عقيم قبيح.
حال النفس كحال التربة، فالنفس تكون جميلة إن كانت وفيرة في استحقاقاتها وفي المشورة، وأما النفس العقيمة (والمشغولة بالماديات) فهي قبيحة، لأن العقم هو ضعف في النفس، يجردها من ثمرها ويخدعها. يجعلها في عوز ويثير مخاوف، يضاعف الشهوات الشرهة والأفكار الخاملة فتسقط!
وما الشر إلاَّ غياب للخير؟ تنخدع بمالها فتحتاج إلى ما يخص الغير؛ تكون فارغة ليس من حد أو قياس يملأها. أيضًا تظلم المادة نعمة النفس. والجهل والشهوة الدنسة هما مرضا النفس.
[يرى القديس أمبروسيوس أن الشباب دون الأطفال والشيوخ يتمتعون بصحة قوية، وهذا خير، لكن جهل الشاب للخير أو تجرده منه يثير فيه الشهوة الجسدية، فيتحول ما هو خير إلى شر... بهذا يرى أن الشر هو غياب للخير].

تدرك النفس الله كمصدر لخيرها
61. هذا هو اهتمام النفس الطاهرة، هذا ما تدركه داخليًا: تدرك الله وتبقى في كل الأمور الصالحة. على هذا الأساس تقول: "حلقُهُ حلاوة وكله مشتهيات" (نش 5: 16). لأن الله صانع كل خير، وكل الموجودات هي منه. ليس من شر في أي موضع (بل هو منا)، إن سكن ذهننا في الله لا يعرف الشر. أما النفس التي لا تستوطن عند الله فهي صانعة شرور بذاتها، ومن ثَمَّ تخطئ، والنفس التي تخطئ تموت (حز 18: 4، 20). إذ تتخلى عن رباطات الفضيلة الذهبية تُحمَل رأسًا إلى شفا كارثة وتسقط في مواضع دنيا.
طوبى للنفس التي لا يغلبها أي صراع مضاد في الجسد، فإن مثل هذه النفس تطير كعصفور من فخ مكسور (مز 124: 7)، لأن ملذات الجسد هي غذاء الشرور. من يلتفت إليها يسقط في فخ.

ترفض النفس ظلمة الشر فتشرق كالفجر
62. أما بالنسبة لمن يمتنع عن هذا الغذاء (الشر) وعن الظلمة فتُشرق نفسه كالفجر. وعنها قيل: "من هذه المشرقة مثل الصباح، جميلة كالقمر؟" (نش 6: 9 LXX). فإنها تشرق كما من بيت حرّ، ولا تقول: "الظلمة حولي والحيطان تُخيفني، ومن يدري إن كان العليُّ يرى؟" (سيراخ 28: 18). بالحري تطلب النور، وتجلس فوق العالم كأنها في عُليَّة بيتها - أي جسدها - تحدق في الإلهيات، وترتفع إلى الأبديات، لتكون مع الله، تكشف نور أعمالها، كما يكشف القمر عن سطحه للعالم كله.
63. أما بالنسبة لعبارة أكيلا: "مدوية كالشمس"، فيبدو أن دوران محور السماء: حركة الشمس والقمر والنجوم وتناسق المدارات، كل هذا يُعرض هنا فيستحسنه بعض المسيحيين، بينما لا يُقابل هذا التناغم بالتصديق (ربما عَنِيَ أن الإيمان أعظم من التناسق في حركات الكواكب).

العودة إلى : 

نشيد الانشاد ـ القديس امبروسيوس ـ 8 ـ دور المسيح في كنيسته المتألمة


ثامناً : دور المسيح في كنيسته المتألمة
نزول الكنيسة إلى مرارة التجارب 
64. بينما تتلقى المديح من العريس إذ بها في تواضع تأبَى أن تتقبَّله في حضرته.
دُعِيتْ من بواعث حب العريس لتقول:
 "نزلت إلى جنة الجَوْز لأعاين مولد السيل" (نش 6: 11).

 الآن، أين هي الكنيسة إلاَّ حيث توجد عصا الأسقف التي تفرخ (عد 17: 8)، وحيث توجد مواهبه الروحية؟ توجد هناك لتُمتَحن بالمرارة والتجربة؛ فالجَوْز يعني المرارة، والسيل يعني التجربة، لكن التجربة التي يمكن احتمالها، كما هو مكتوب: "عَبَرتْ أنفسنا سيلاً" (مز 124: 5). لهذا نزلت إلى موضع المرارة حيث تزدهر الكرمة والعديد من الأثمار كالرمان (نش 6: 11)، في المرارة تعرف النفس ذاتها، لأن الجسد الفاسد يثقل عليها، وسرعان ما ينحط مسكنها الأرضي، لكن عليها أن تعرف ذاتها.
بطرس جُرِّب ولم يعرف ذاته، لأنه لو عرف نفسه لما أنكر خالقه (لو 22: 54-62)، لكن المسيح عرفه. حقًا عرفه، لأنه ينظر إليه (لو 22: 61). "يعلم الرب الذين هم له" (2 تي 2: 19) كسيد صالح اجتذبه من سقطته بزمام رحمته، إن جاز التعبير.

المسيح يقود كلمته بمركبة
65. تقول النفس: "لقد جَعَلَتْني كمركبات عميناداب" (نش 6: 12 LXX). (عميناداب = عمي كريم، أو قوم شريف، أو أمير شعبي، أو مركب أميري).
النفس هي مركبة تحمل سيدها الصالح، لها جياد صالحة أو رديئة. الجياد الصالحة هي فضائل النفس، والرديئة هي الشهوات الجسدية، لهذا يكبح السيد الصالح الجياد الرديئة ويسحبها إلى خلف بينما يحث الصالحة (للتقدُّم إلى الأمام).
الجياد الصالحة أربعة: التعقل والاعتدال والثبات والعدل. والجياد الرديئة فهي الغضب والشهوة والخوف والظلم. أحيانًا تكون هذه الجياد في تعارض مع بعضها البعض، كأن يتهيّج الغضب أو الخوف فيعوق أحدهما الآخر ويبطئ الاثنان في تقدمهما. أما الجياد الصالحة فتنطلق طائرة، ترتفع عن الأرض إلى أماكن علوية؛ فترتفع النفس خصوصًا إن كان لها النِير الحلو والحمل الخفيف للقائل: "احملوا نيري عليكم، لأن نيري حلو وحملي خفيف" (مت 11: 29-30).
إنه السيد الذي يعرف كيف يسوس جياده، فيحافظ الكل على نفس الخطوة (ليسير الكل في انسجام). فإن كان التعقل سريعًا جدًا والعدل بطيئًا جدًا يحث الأكثر تكاسلا بسوْطه. وإن كان الاعتدال لطيفًا جدًا والثبات حادًا جدًا، يعرف كيف يوحّد غير المنسجمين حتى لا يفقدا تقدمهما.
حسنًا قيل: "قد جَعَلَتْنِي كمركبات عميناداب"، وهو اسم معناه "أب شعب"، وأب الشعب هو أيضًا أبو نحشون (عد 1: 7؛ 2: 3)، معناه "من الحية أو الثعبان". تذكروا الآن من عُلق على الصليب كحية لخلاص كل البشر (يو 3: 14، عد 21: 9)، فستدكرون التي لها الله حاميها والمسيح قائدها هي في سلام؛ لأن تلك اللفظة "قائد" وردت في كتابنا المقدس: "يا أبي يا أبي قائد (مركبة) إسرائيل" (2 مل 2: 12).

المسيح يصحح مسار الكنيسة (مركبته)

66. يقول ذلك القائد: "ارجِعي. ارجِعي يا شولميث" (نش 6: 12)، ومعناها "في سلام"، لأن النفس التي ترجع في سلام ترجع بسرعة وتصحح ذاتها. إذ سبق فأخطأت يركبها المسيح وبالحري يحسب ذلك لائقًا لكي يرشدها. له قيل: "اركب خيلك، مركباتك مركبات خلاص" (حب 3: 8 LXX). وفي نص آخر قيل: "أرسلت خيلك إلى البحر" (حب 3: 15 LXX). هذه هي جياد المسيح. يركب جياده، أي يركب كلمة الله النفوس التقية.

المسيح يُصعدها نخلة النصرة
67. على هذا الأساس، اعلموا أنه أيضًا قد ركب نفس العروس (الكنيسة) وقادها إلى موضع النخلة رمز النصرة، حينما قال لها: "ما أجملك وما أحلاك أيتها الحبيبة، في مباهجك، قامتك هذه شبيهة بالنخلة" (نش 7: 6-7). أما هي فتقول: "قلتُ إني أصعد النخلة" (نش 7: 8). المحبة ذاتها هي النخلة، لأنها هي نفسها ملء النصرة. "المحبة هي تكميل الناموس" (رو 13: 10)، فلنركض إذن لننالها.
من يغلب يصعد لينال النخلة وينعم بثمارها. من يغلب لا يبقى في السباق كما هو مكتوب: "من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي، كما غلبت أنا أيضًا وجلست مع أبي في عرشه" (رؤ 3: 21). من هذا المصدر رسم الفلاسفة سباقات المركبات للنفوس في كتبهم، لكنهم لم يستطيعوا بلوغ نخلة النصرة، لأن نفوسهم لم تعرف قامة الكلمة وارتفاعه. أما النفس التي يسكن فيها الكلمة فتعرف ذلك.

المسيح يبلغ بها إلى كمال الحب وسط جهادها
68. تتحدث هكذا: "أنا لأخي الحبيب، وإليَّ اشتياقه" (نش 7: 10 LXX). إنها تكرر هذا الفكر ثلاث مرات بطرق مختلفة في نشيد الأناشيد.
في البداية تقول: "أخي لي وأنا له، الراعي بين السوسن، إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال" (نش 2: 16-17LXX).
ثم تقول: "أنا لأخي الحبيب وأخي الحبيب لي، الراعي بين السوسن" (نش 6: 3 LXX).
وقرب النهاية تقول: أنا لأخي الحبيب وإليَّ اشتياقه" (نش 7: 10 LXX).
تقترن الحالة الأولى بتكوين النفس، لذا تقول أولاً: "أخي لي"، فإنه ما أن يَسْتعلِن ذاته تدخل النفس التي لم تكن قد التصقت بالله في طريق الحب.
ما يلي ذلك يشير إلى تقدم النفس.
أما الحديث الثالث فيشير إلى كمالها.
في المرحلة الأولى، أي مرحلة التكوين، ترى النفس ظلالاً لم تكتمل بعد باستعلان قدوم الكلمة (نش 2: 17)، ومن ثم لم يكن قد سطع بعد عليها نور الإنحيل. وفي الثانية تنعم بروائح ذكية دون اختلاط بالظلال، وفي الثالثة تكتمل إذ توفر للكلمة موضع راحة فيها، فيلتفت إليها ويسند رأسه عليها وهي تبحث من قبل وتدعوه قائلة:

المسيح يقوت المُتعبين
69. "تعال يا أخي فلنخرج إلى الحقل، لنسترح في القرى" (نش 7: 12). سبق أن دعته إلى جنتها، وهنا تدعوه إلى حقل ليس فيه أزهار جميلة فحسب، بل فيه أيضًا قمح وشعير، أي إلى أساسات أقوى للفضائل، لكي ترى ثمارها.
"لنسترح في القرى" التي إليها نُفِيَ آدم حينما طُرِد من الفردوس. فيها يجد راحة، لكنه يعمل في الأرض.
إدراكنا لسبب رغبتها في أن يخرج إلى الحقل واضح: أن يُطعم قطيعه كراعٍ صالح (يو 10: 11؛ إش 40: 11؛ حز 34: 23)، يسند المتعبين، ويسترد الضالين. فبالرغم من أن تلك النفس قد إنحزت له الجديد والعتيق (الثمار الطازجة والعتيقة) (نش 7: 13) لكنها لا تزال مثل حمل يجب تغذيتها بشراب اللبن (1 كو 3: 2).
يبدو أنها صارت كاملة، لا لنفسها بل للغير، لهذا تتشفع أن يخرج من حضن الآب، يخرج من الأبواب كالعريس الخارج من خدره المجري سباقه (مز 19: 5). تتشفع أيضًا أن يربح الضعفاء وألاَّ يتوانى في عرش الآب البعيد وفي ذلك النور، لأن لمن لا قوة لهم لا يستطيعون البلوغ إلى هناك، إنما يأتي إلى مسكن العروس وحجالها (نش 8: 2 LXX)، وأن يخرج من الأبواب لكن في الداخل لأجلنا، وأن يكون في وسطنا حتى وإن كنا لا نراه (يو 1: 26).
المسيح يدخل أبواب العروس
70. على هذا الأساس تقول: "من يعطيك لي كأخ، يا أخي، الراضع ثَدْيَيْ أمي؟ إذا ما وجدتك خارج الأبواب أقبِّلك" (نش 8: 1).
صالحة هي النفس التي هي خارج الأبواب ليدخل الكلمة داخلها، هي خارج الجسد كي يسكن الكلمة فينا (كو 3: 16).

المسيح يرتفع معها إلى العلويات
71. "سآخذك إلى أعلى وأقودك في الداخل" (نش 8: 2). حسن أن نأخذ كلمة الله إلى أعلى ونقوده للداخل، لأنه يقرع على النفس. ليُفتح له الباب، فإنه ما لم يجده مفتوحًا لا يدخل. لكن إن فتح أحد يدخل ويتعشى معه (رؤ 3: 20). تأخذ العروس الكلمة إلى أعلى بطريقة هكذا قد تعلمتها. لهذا ليس بدون سبب تبقى النفس ترتفع إلى المنازل العلوية متقدمة على الدوام.
على المسيح تستند العروس صاعدة
72. هذا ما تعنيه الفضائل (ربما يقصد طغمة سماوية) إذ يقولون: "مَنْ هذه الطالعة المتسربلة بثوبٍ أبيض، مستندة على أخيها؟" (نش 8: 5 LXX). منذ برهة قالوا: "مَنْ هي المشرقة مثل الصباح، جميلة كالقمر، طاهرة كالشمس" (نش 6: 9 LXX)؟ هنا نجد إضافات، إذ تصعد مستندة على كلمة الله، لأن مَنْ هم أكثر كمالاً يستندون على المسيح تمامًا كما كان يوحنا متكئًا على صدر يسوع (يو 13: 23). فهي إذًا إما أنها استراحت في المسيح أو استندت عليه أو حتى - مادمت أتحدث عن الزواج - قد نالت قوة المسيح، واقتيدت إلى حجال العروس بواسطة العريس.

المسيح يتعهدها تحت شجرة التفاح
73. لأن اتحادًا من الحب قام الآن، فالعريس يعانقها قائلاً: "تحت شجرة التفاح تعهدتك هناك، ولدتك أمك هناك، ولدتك التي حملت بك" (نش 8: 5 LXX).
طوبى للنفس التي تجلس عند الشجرة المثمرة، خصوصًا الشجرة ذات الأريج الطيب. لأنه إن كان نثنائيل الصالح الذي لم يكن فيه عيب قد رُئي تحت شجرة تين (يو 1: 47-50)، فمن المؤكد أن النفس التي يتعهدها العريس تحت شجرة تفاح هي نفس صالحة. إنه لأمر أعظم أن تُتعهَّد عن أن تُنظر، والأعظم أن يتعهَّدها العريس نفسه (نش 8: 5).
فإنه على الرغم من أن نثنائيل قد شوهد تحت شجرة، لكن نفسه لم تكن عروسًا، إذ جاء إلى المسيح سرًا، لأنه كان يخشى اليهود. لم تكن نفسه جميلة كالقمر، طاهرة كالشمس (نش 6: 10)، لأنها كانت في الظل، بينما تزوج العريس نهارًا معلنًا ذلك جهارًا.
إن كانت (نفس ما) تحت شجرة التفاح والأخرى تحت شجرة التين، فلأن الأولى نشرت عبير عمل إيمانها على مساحات أوسع، أما الأخرى فاقتنت عذوبة الطهارة وعدم الخزي لكنها لم تملك عبير الروح.

المسيح يُتصوَّر في النفس
74. "هناك ولدتك أمك، هناك ولدتك من حبلت بك". لأننا وُلدنا هنا ميلادًا جديدًا. لذلك هم أيضًا يولدون (خلالنا) الذين فيهم يُتصوَّر المسيح، لذا يقول الرسول: "يا أولادي الذي أتمخض بهم إلى أن يتصور فيكم" (غل 4: 19). الآن حالة ولادة تلك التي تُقدّم روح الخلاص في رحمها وتسكبه على الآخرين.

المسيح ختم عروسه
75. على هذا الأساس إذ يُتصوَّر المسيح فعلاً فيها، تقول العروس: "اجعلني كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك" (نش 8: 7). المسيح هو خاتم على الجبهة وختم في القلب. على الجبهة حيث نعترف به على الدوام، في القلب لأننا نحبه دومًا، علامة على الذراع حيث نمارس عمله باستمرار. لهذا فلتُشرق صورته في اعتراف إيماننا، ولتُشرق في حبنا، وفي أعمالنا وأفعالنا حتى إن أمكن ينعكس كل جماله فينا.
ليكن رأسنا، لأن "رأس الرجل المسيح" (1 كو 11: 3).
ليكن عيوننا، به نرى الآب.
ليكن صوتنا، به نحدث الآب.
ليكن يميننا، به يمكننا أن نأتي بذبيحتنا لله الآب.
هو أيضًا ختمنا الذي هو علامة الكمال والحب، لأن الآب إذ يحب الابن وضع خاتمه عليه، كما نقرأ: "لأن هذا الله الآب قد ختمه" (يو 6: 27).
فالمسيح هو حبنا! صالح هو الحب، إذ قَدَّم ذاته للموت عن تعديات العالم. صالح هو الحب الذي يغفر الخطايا.

المسيح يسربل عروسه بالحب حتى الموت
76. فلتتسربل نفوسنا بالحب (هنا إشارة إلى المعمودية حيث نلبس المسيح الحب)، الحب القوي كالموت (نش 8: 6). لأنه كما أن الموت هو نهاية الخطايا (به نكف عن ارتكاب الخطايا)، هكذا أيضًا المحبة، لأنَّ مَنْ يحب الرب يكف عن ارتكاب الخطية. لأن المحبة "لا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم، بل تحتمل كل شيء" (1 كو 13: 5-7). لأنه إن لم يطلب الإنسان ما لخيره كيف يطلب ما هو لخير الآخرين؟ (1 كو 13: 5).
قويٌّ أيضًا هو ذلك الموت الذي بالجرن (المعمودية) الذي به تُدفَن كل خطية، ويُغفَر كل إثم. هكذا كانت المحبة التي جاءت بها المرأة المذكورة في الإنجيل والتي قال عنها الرب: "غُفِرتْ خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرًا" (لو 7: 47).
قويٌّ أيضًا هو موت الشهداء القديسين الذي يُبيد الإثم المبكر، الموت المعادل لآلام الشهداء قويٌّ حتى إنه يمحو عقاب الخطايا.

المسيح يَهَب النفس أجنحة نار الغيرة المقدسة
77. "الغيرة كالعالم السفلي (الهاوية) (نش 8: 6)، لأن مَنْ له غيرة لله لأجل المسيح لا يفقد ما هو عليه. المحبة تحتضن الموت؛ المحبة تحتضن الغيرة، للمحبة جناحان من نار. إذ أحب المسيح موسى ظهر له في نار. وإذ اقتنى إرميا موهبة الحب الإلهي يقول: "نار محرقة محصورة في عظامي فضعفتُ من كل جانب ولم أستطع" (إر 20: 9 LXX).
صالحة هي المحبة، إذ لها جناحان من نار محرقة، تلتهب في صدور القديسين وقلوبهم، وتُحرِق كل ما هو مادي وأرضي، لكنها تمتحن كل ما هو طاهر، وبنارها تجعل كل ما تمسه في حالٍ أفضل. هذه النار أرسلها الرب يسوع على الأرض (لو 12: 49)، ليسطع الإيمان في وضوح وتتَّقِد تَقْوَى العبادة، ويَستنير الحب ويتألق البرّ.
بهذه النار ألهبَ قلب رسله، كما شهد كليوباس، قائلاً: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا عندما كان يوضح لنا الكتب؟" (لو 24: 32). لهذا فجناحا النار هما لهيب الكتاب المقدس.
حقًا، لقد فسر الكتاب المقدس: فانطلقت النار واستقرت في قلوب سامعيه. حقًا كانت أجنحة نار، لأن "كلام الرب كلام نقي كفضة مصفاة بالنار" (مز 12: 6). وحينما اختار الرب بولس، رأى (بولس) نورًا أبرق حوله وحول الذين كانوا معه، فسقط على الأرض خوفًا وقام مقبولاً، والذي كان مُضطهِدًا (للكنيسة) صار رسولاً! (أع 9: 3-7؛ 1 تي 1: 13).
أيضًا نزل الروح القدس "وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار" (أع 2: 2-3).
صالحة هي أجنحة الحب، الأجنحة الحقيقية التي ترفرف على أفواه الرسل؛ أجنحة النار التي تنطق الكلام النقي (مز 12: 6).
على تلك الأجنحة طار أخنوخ حين اُختطِفَ إلى السماء (تك 5: 24).
وعلى هذه الأجنحة انطلق إيليا حينما صعد بالمركبة النارية والجياد النارية إلى الأماكن العلوية (2 مل 2: 11).
على هذه الأجنحة قاد الرب الإله شعب الآباء البطاركة بعمود من نار (خر 13: 21).
للسيرافيم هذه الأجنحة، فحينما أخذ ساروف جمرة النار من على المذبح، ولمس بها فم النبي، أزال آثامه وطهر خطاياه (إش 6: 6-7).
بنار هذه الأجنحة تطهَّرَ أبناء لاوي (ملا 3: 3) وتعمدت قبائل الأمم كما يشهد يوحنا حينما قال عن الرب يسوع: "سيعمدكم بالروح القدس ونار" (مت 3: 11؛ يو 1: 33).
حقًا أراد داود لحقويه وقلبه أن تُحرق (وتُصفَّى بالنار مز 26: 2)، إذ عرف أنه لا ينبغي أن يخشى أجنحة الحب النارية.
لم يشعر الفتية العبرانيون في أتون النار المتقدة (بحرارة) النار المستعرة، والسبب معروف أن لهيب الحب أعطاهم برودة (دا 3: 50).
ولكي نعرف أكثر أن للحب الكامل أجنحة اسمعوا المسيح يقول: "كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها؟" (مت 23: 37).

المسيح يرفع النفس إليه (الخير الأعظم)
78. لنأخذ إذن تلك الأجنحة مادامت كلهيب يتَّجه إلى الأماكن العلوية. ليجرد كل إنسان نفسه من أغطيتها الدنيئة ويزكيها بأن تتطهر من الحمأة تمامًا كما تصفي النار الذهب، إذ تتنقَّى كأفضل أنواع الذهب تمامًا. أيضًا جمال النفس وفضيلتها النقية وحُسنها تكمن في معرفتها الأصدق للأمور العلوية، فتنظر الخير الذي تعتمد عليه كل الأشياء، والذي لا يعتمد هو على شيء. هناك تعيش وتتمتع بإدراكاتها، لأن هذا الخير الأسمى (المطلق) هو أصل الحياة. تَتَّقد فينا محبته والاشتياق إليه، فتصير رغبتنا هي الاقتراب منه والارتباط به.
إنه مرغوب لمن يره، وحاضر لمن ينظره.
لهذا يحتقر (الإنسان) كل شيء، ويُسَرّ ويفرح بهذا وحده. فهو الذي يسند الكل بكيانه، وهو قائم بذاته. يعطي الآخرين ولا يأخذ شيئًا لذاته من الغير. عنه يقول المرتل: "قلت لربي أنت إلهي، لأنك لا تحتاج إلى شيء من خيراتي" (مز 16: 2 LXX). هذا وحده ما يشتاق (المرتل) أن يراه. كما يقول في موضع آخر: "واحدة سألت من الرب وإياها ألتمس، أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي، لكي أنظر إلى جمال الرب وأتفرَّس في هيكله" (مز 27: 4).
إن استحق إذن أحد أن يرى هذا الخير الفائق اللاجسداني النقي فإلى ماذا سواه يشتاق؟ لقد رأى بطرس حقًا مجد قيامة المسيح فلم يُرِد أن ينزل، إذ قال: "يا رب جيد أن نكون ههنا!" (مت 17: 4).
ماذا يمكن أن يكون أعظم من مجد اللاهوت الذي لا يُقارن والنور الذي لا يُدنَى منه؟ (1 تي 6: 16). أي شيء أعظم من هذا يمكن أن يراه الإنسان أو يرغب فيه؟ فالملكوت لا يُقارَن، لا بالغِنَى ولا بالكرامات ولا بالمجد ولا بالقوة التي في استخدامها لا تحل البركات؛ لكن الانتفاع بهذا الخير الفائق أمر مُطوَّب. فلا يتدنَّى الإنسان متطلعًا إلى مثل هذه الأمور (الدنيا) بل يلتفت إلى ذلك الخير ويبقى فيه. وإذ يرى تلك الصورة البديعة يدخل إلى الداخل ويترك شبه الجسد الأمور الخارجية.
فإن مَنْ يهتم بالأمور الجسدانية لا يهتم بالحري بالداخل، بل بالأحرى يُشبِه مَنْ يغرق في دوامة ويُبتلَع فيها فلا يظهر في أي مكان بل يغوص في الأعماق.
لنهرب إذن إلى موطننا الحقيقي الأصلي؛ هناك وطننا، وهناك أبونا الذي خلقنا، حيث مدينة أورشليم أم جميع البشر (غل 4: 26؛ عب 12: 22).

المسيح يطلقنا إلى أورشليم العليا
79. لكن ما هذا الهروب؟ إنه ليس هروبًا بالأرجل الجسدية، لأنها مهما جرت تبقى على الأرض وتَعبُر من تربة إلى أخرى.
لنهرب لا بسفن ولا بمركبات ولا بخيل، لأن هذه تُعوِّق وتُعثِر، إنما لنهرب بالروح والأعين والأقدام الداخلية. ليت عيوننا تعتاد أن ترى المُشرِق والساطع، تنظر وجه العفة والاعتدال وكل الفضائل التي ليس فيها ما هو قبيح أو مُبهَم أو مُعقَّد. ليتطلع كل أحد إلى نفسه وإلى ضميره، وليغسل عينه الداخلية فلا يكن فيها قذارة. لأن ما يُرى يلزم ألاَّ يخالف مَنْ يُرى، إذ يريد الله أن نتوافق مع صورة ابنه (رو 8: 29).
فالخير معروف لدينا؛ ليس ببعيد عن أحدٍ منا، إذ به نحيا ونتحرك ونوجَد... لأننا نحن أيضًا ذريته (أع 17: 28)...
هذا هو الخير الذي نطلبه، الخير الوحيد، لأنه ليس صالح إلا الله وحده (مر 10: 18؛ لو 18: 9).
هذه هي العين التي تنظر الجمال الحقيقي العظيم؛ العين القوية السليمة التي وحدها تعاين الشمس؛ إنها النفس الصالحة التي وحدها ترى الصلاح. لذلك مَنْ يريد أن يرى الرب وطبيعة الخير يلزمه أن يكون صالحًا.
لنكن مثل هذا الصالح (الله) ونصنع أعمالاً صالحة تليق به. هذا هو الخير (الله) الذي يفوق كل عمل وكل فكر وكل فهم. إنه ذاك الذي يبقى دائمًا، ونحوه تتجه كل الأشياء. "الذي فيه يحل ملء اللاهوت" (كو 2: 9)، وبه تتصالح كل الأشياء.
ولكي نعرف طبيعة الخير بالأكثر، فالحياة هي الخير، لأنها ثابتة على الدوام، تَهب الجميع وجودهم وكيانهم. ومصدر حياة الكل هو المسيح، الذي عنه يقول النبي: "في ظله نعيش" (مرا 4: 20). الآن "حياتنا مستترة في المسيح، ومتى أُظهِر المسيح حياتنا، فحينئذٍ نحن أيضًا نظهر معه في المجد" (كو 3: 3-4). لهذا يليق بنا ألاَّ نخشى الموت، فإنه راحة للجسد وحرية للنفس وانفصالها لها. يجب ألاَّ نخاف من يقتل الجسد ولكن النفس لا يقدر أحد أن يهلكها (مت 10: 28).
لأننا لا نخشى من يخلع ملبسنا، ولا نخاف مِمَّنْ يستطيع أن يسلب ممتلكاتنا لكنه لا يقدر أن يسلبنا أنفسنا. إننا إذن نفوس، إن كنا نرغب أن نكون عبرانيين مرافقين ليعقوب (47: 26-27)، مُتشبِّهين به. نحن نفوس، أما أعضاؤنا فهي لباسنا. يلزم أن يُحمى اللباس بحق فلا يُمزَّق ولا يُبلى (عب 1: 11)، لكن يليق بمن يستخدمه أن يحمي أولاً نفسه ويحرسها.

العودة إلى :