مدونـة رئيــس الملائكــة رافائيـــل

بسم الآب والابن والروح القدس اله واحد امين : مدونة رئيس الملائكة رافائيل ترحب بكم : افرحوا فى الرب كل حين واقوال ايضا افرحوا (فيلبى 4:4)

الثلاثاء، 29 يناير 2013

نشيد الانشاد ـ القديس امبروسيوس ـ 3 ـ رفقة رمز الكنيسة


ثالثاً : رفقة رمز الكنيسة

النفس الكاملة التي تهرب من الشر لا من الأرض
6. أما النفس الكاملة فتبتعد عن المادة،
وتمتنع وترفض كل ما هو مُبالغ فيه أو متقلقل أو شرير،
ولا تتطلع أو تقترب من هذا الدنس والفساد الأرضي.
إنها تُصغي إلى الإلهيات وتتجنب الأرضيات.

 لكن في انطلاقها لا تغادر الأرض بل وهي باقية على الأرض تتمسك بالبر (العدل) وضبط النفس، تنبذ الرذائل التي في الأرضيات ولا تنبذ استخدام الأمور الأرضية.
لقد هرب داود من وجه شاول (1 مل 19: 18)،
لا لكي يهجر الأرض حقًا، وإنما لكي يهرب من عَدْوَى إنسان قاسٍ عاصٍ وغادر.
هرب لكي يلتصق بالله، إذ يقول: "التصقت نفسي بك" (مز 63: 8).
انسحب ونَأَى بنفسه عن رجاسات هذا العالم، سما بنفسه تمامًا،
وذلك كما تأمل إسحق عندما تجوَّل في الحقل (تك 24: 63)...
لأن هذه شهادة واضحة تمس الالتصاق بالفضائل، حيث يتجوَّل الإنسان ببراءة قلبه، فلا يشترك في الشهوات الأرضية وإنما يشق طريقه بفكر متحرر، أي بلا لوم، ولا يفتح موضعًا للفساد في داخله.

جمال الكنيسة الروحي
7. هكذا كان إسحق حينما انتظر مجيء رفقة وتهيأ لاتحاد روحي (تك 24: 62). جاءت إليه وقد وُهبت أسرارًا سماوية، تحمل زينة عظيمة في أذنيها وعلى ذراعيها (تك 24: 22). استعلن جمال الكنيسة في سمعها وأعمال يديها بوضوح. ونلاحظ أنه قيل لها بحق: "صيري ألوف ربوات، وليرث نسلك مدائن أعدائه" (تك 24). لهذا الكنيسة جميلة، لأنها ضمّت أبناء من أمم معادية. لكن يمكننا تفسير هذا النص بخصوص النفس التي تُخضِع الشهوات الجسدية، وتحولها إلى خدمة الفضائل، وتُطوّع المشاعر المعاندة لها. هكذا كانت نفس الأب (البطريرك) إسحق، الذي عاين سرّ المسيح، فرأى رفقة قادمة بأوان من ذهب وفضة (تك 24: 53، 63).
وكأنها بالكنيسة مع شعوب الأمم التي تندهش لجمال الكلمة (الإلهي) وأسراره، فتقول "ليقبلني بقبلات فمه" (نش 1: 2). عندما ترى رفقة إسحق الحقيقي - الفرح الحق، ينبوع المرح الحقيقي - تشتاق أن تقبِّله.

قبلات الحب والوحدة والاستنارة وسكب النفس
8. ما معنى:"ليقبلني بكلمات فمه"؟
  فكروا في الكنيسة التي انتظرت مجيء الرب لقرون طويلة، الذي وعدها بذلك خلال الأنبياء في القديم. فكروا في النفس التي تسمو فوق الجسد وترفض الانغماس في الملذات والمسرات الجسدية، تاركة أيضًاً الاهتمام بالأباطيل الدنيوية.
 لقد اشتاقت زمانًا طويلاً أن تلتحم بحضرة الله، واشتهت أيضاً إلى نعمة كلمة الخلاص،
 وها هي قد أصابها الهزال لأنه يأتي متأخرًا،
ها هي قد تقوّضت وجُرحت حبًا (نش 5: 8)،
 فهي لا تقوى على تأجيلاته (في المجيء).
وإذ تتجه نحو الآب تسأله أن يرسل إليها إلهها الكلمة، وتعلل سبب نفاذ صبرها بالقول: "ليقبلني بقبلات فمه". إنها لا تسأل عن قبلة واحدة بل تطلب قبلات كثيرة، لكي تُشبع اشتياقاتها. لأنها كحبيبة لا تقنع بتقدِمة ضئيلة من قبلة واحدة،
 بل تطلب الكثير، وتحسب أن لها الحق في التمتع بالكثير،
 ومن ثَمَّ صارت تألف أن تطلب لنفسها أكثر وأكثر من محبوبها.
لقد نالت استحسانًا في الإنجيل إذ "لم تكف عن تقبيل قدمَيَّ" (لو 7: 45)،
و "غفرت خطاياها الكثيرة، لأنها أحبت كثيرًا" (لو 7: 47).
مثل هذه النفس تريد قبلات كثيرة من الكلمة، لكي تستنير بنور معرفة الله، لأنها هذه هي قبلة الكلمة، أعني نور المعرفة المقدسة. يقبلنا الله الكلمة حينما ينير قلوبنا وينير القدرة المتحكمة الفعلية بروح معرفة الله. النفس التي تنال تلك الهبة تبتهج وتفرح بعربون الحب العروسي (الزيجي)، وتقول: "فغَرْت فمي ولهثت" (مز 119: 131). لأنه بالقبلة يلتصق الأحباب ببعضهم البعض، وينالون عذوبة النعمة التي في الداخل.
بهذه القبلة تلتصق النفس بالله الكلمة، وبالقبلة تنسكب روح من يقبَّل داخل النفس، تمامًا مثل الذين لا يكتفون في قبلاتهم بلمس الشفاه على خفيف إنما يَبْدون وكأنهم يسكبون أرواحهم الواحد في الآخر.
9. إذ تبدو أنها لا تحب فقط ظهور الكلمة ووجهه بل كما لو كانت تحب أعماقه الداخلية، فتضيف إلى نعمة القبلات: "ثدياكِ أطيب من الخمر، ورائحة أدهانك تفوق كل الأطياب" (نش 1: 2-3). لقد طلبت القبلة، سكب الله الكلمة نفسه فيها بالتمام وكشف عن ثدييه،
أي تعاليمه ونواميس الحكمة التي في الداخل، ورائحة أدهانه التي تفوق كل الأطياب. هذا كله يَسْبيها، فتقول النفس إن التمتع بمعرفة الله أغنى من الفرح بأية لذة جسدانية، إذ تفوح في الكلمة رائحة النعمة وغفران الخطايا. وإذ تنسكب في كل العالم تملأ تلك المغفرة كل شيء وينسكب الدهن لينزع أوراق الرذيلة الثقيلة عن الناس.

اجتذاب الكلمة للنفس :
10. "لذلك أحبتك العذارى، اجذبنا فنجري وراء رائحة أدهانك" (نش 1: 3-4). حقًا، صالح هو التعقل؛ لكن الرحمة عذبة، وقليلون هم الذين يحظون بالأولى (التعقل)؛ أما الأخيرة (الرحمة) فتَحِلّ بجميع البشر. "بسبب حنو رأفتك تحبك النفوس المتجددة بالروح". في هذا الصدد قيل أيضًا للنفس: "يتجدد مثل النسر شبابك" (أف 4: 23، مز 103: 5).
لأن المرتل تحدث مع النفس، قائلاً: "باركي يا نفسي الرب" (مز 103: 1).
 لهذا تُسرع النفس إلى الكلمة، وتسأل أن تُجذَب إليه، لئلا تُتْرك بعيدًا، لأن "كلمة الله لا تُقيِّد" (2 تس 3: 1؛ 2 تي 2: 9)، وحقًا "يبتهج مثل الجبار للسباق في الطريق" ولأن "خروجه هو من أقصى السماوات ومدارها إلى أقاصيها" (مز 19: 6-7).
وإذ ترى النفس أنها ليست ندًا لمثل هذه السرعة العظيمة تقول:
"اجذبنا"، إذ لنا اشتياق أن نتبعك، وهو ما استنشقناه من عطية نعمة أطيابك.
 لكننا إذ لا نقوى على مجاراة سباقك اجذبنا أنت فنتبع خطواتك بمعونتك وتعضيدك.
 إن جذبتنا نجري ونحظى بنسائم الركض الروحية. فإنّ مَنْ لهم يدك عونًا يُلقون بأثقالهم جانبًا، وينسكب فيهم زيتك الذي يشفي مَنْ جرحه اللصوص (لو 10: 34).
لا تعتبر قولها "اجذبنا" عيبًا إذ تسمعه يقول:
"تعالوا إليَّ يا جميع المُتْعَبين والثَقِيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28).
أتَرَوْن كيف يجذبنا بفرح لئلا نُترك في الخلف ونحن نتبعه.

هو يجذبنا ونحن نركض ولا نتوانى
لكن مَنْ يريد أن يجتذب يلتزم أن يركض فينال. ليركض ناسيًا الأمور الماضية،
 طالبًا ما هو أفضل، بهذا يقدر أن ينال المسيح.
في هذا الصدد يقول الرسول أيضًا: "اركضوا لكي تنالوا" (1 كو 9: 24).
هكذا تشتاق النفس إلى بلوغ الجعالة التي تريد التمتع بها.
لهذا تسأل بحكمة أن تُجْتَذب، لأنه ليس كثيرون قادرين على أن يتبعوه.
حقًا عندما سأله بطرس: "إلى أين أنت تذهب؟" أجابه كلمة الله:
 "حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني، ولكنك ستتبعني أخيرًا" (يو 13: 36).
لقد ائتمنه الرب على مفاتيح السماء (بالإيمان المُعطى للتلاميذ) (مت 16: 29)،
 ومع هذا حكم بطرس على نفسه أنه ليس بكفء أن يتبعه. مع ذلك لم ينبذ الرب تلك النفس، لأن بطرس لم يكن يتطاول (متجاسرًا) وإنما كان يتساءل.


العودة إلى : 

نشيد الانشاد ـ القديس امبروسيوس ـ 4 ـ تمتع النفس بحِجال الملك "الحياة السماوية"


رابعاً : تمتع النفس بحِجال الملك "الحياة السماوية"

جمال داخلي!

11. حقًا "أَدْخَلني الملك إلى حِجاله" (نش 1: 4 LXX).
طوبى للنفس التي تدخل إلى الحِجال، إذ تسمو فوق الجسد لتصير بعيدة (سامية) عن الكل؛ تبحث وتطلب في داخلها عن طريق ما به تتبع الإلهيات. وإذ تبلغها تتجاوز المُدرَكات العقلانية ، فتتقوى بالإلهيات وتقتات عليها.
هكذا كان بولس، الذي أدرك أنه أُخْتُطِف إلى الفردو س لكنه لم يكن يعرف إن كان في الجسد أم خارج الجسد (2 كو 12: 3-4). فقد نهضت نفسه من الجسد، وانسحبت عن ضرورياته ورباطاته وسمت إلى فوق. صار غريبًا عن نفسه بنفسه، وصان في أعماق نفسه الكلمات السرية التي سمعها ولم يقدر على إعلانها، لأنه، كما صرح هو، لم يكن مسوغًا لإنسان أن ينطق بمثل تلك الأفكار (2 كو 12: 4).
لهذا تحتقر النفس الصالحة الأمور المادية المتقدة، ولا تعود تتعلّق بها أو تتوانى أو تتوقف عن الاستخفاف بها؛ بل بالحري تنهض إلى الأبديات غير المادية والعجيبة، لأنها تقوم بفكر طاهر وبذهن نقي. وإذ تعزم على الكمال تجاهد لأجل الخير فقط، الخير الإلهي، وتحسب ما عداه ليس ضروريًا، إذ تملك ما هو أسمى. مثل هذا الإنسان تحمل نفسه جمالاً أكثر مما تحتاج إليه، حتى لو كان متروكًا وحده، إذ يجد الشبع في داخله، ومن ثَمَّ لا يُحسب هذا الإنسان معزولاً وحده لأن الرب معه شفيعًا له.

فرح داخلي!

12. حقًا، حينما يُؤْتي( يُؤْتى؟؟ ) بها إلى اللاهوت الخفي ( السري)، تقول النفس: "فلنفرح ولنبتهج بك، لتكن لنا ثدياك أكثر من الخمر" (نش 1: 4 LXX). فإن البار لا يبتهج بالغِنَى وكنوز الذهب والفضة ولا بالتمتع بممتلكاته، ولا بالقوة ولا بالولائم إنما بالله وحده.
صراعها مع الظلمة
13. وأيضًا إذ أدركت هذه النفس أنها قد أُظْلمت باتحادها (بشهوات) الجسد تقول للأنفس الأخرى أو لقوات السماء المسئولة عن الخدمة المقدسة: "لا تنظرن إليَّ لكون بشرتي سوداء، لأن الشمس لم تنظر إليَّ، وبنو أمي غضبوا عليَّ" (نش 1: 6(LXX ، أي هاجمتني شهوات الجسد، وأضْفت مفاتنه على لوني،
 لهذا لم يشرق شمس البر عليَّ (ملا 3: 20). إنني محرومة من هذه الحماية، لم أستطع الحفاظ على تكريسي وطاعتي الكاملة. هذا هو معنى: "كرمي لم أحفظه" (نش 1: 6). لأنني أنتجت شوكًا لا عنبًا، أي أنتجت خطايا عوض الثمار الروحية (مت 7: 16-20).

حاجتها إلى راحة الظهيرة
14. وحينما نتحدث عن الكلمة وضيائه الذي يشرق عليها، فتلتفت إليه قائلة: "أين ترعى قطيعك؟ أين تستريح عند الظهيرة؟" (نش 1: 7)، كان الوقت "ظهيرة" عندما احتلَّ يوسف مكانه وسط إخوته في المأدبة، وكشف لهم عن أسرار الأزمنة المقبلة (تك 43: 15)، ويقول داود أيضًا: "سلِّمْ للرب طريقك واتكل عليه وهو يُجري، ويخرج مثل النور برّك، وحقك مثل الظهيرة" (مز 37: 5-6). كما أعلن بولس ذاته أن النور أبرق حوله كالظهيرة عندما اهتدى من مضطهد للكنيسة إلى النعمة (أع 9: 3).
لذلك تشكو النفس لأنها هُجرت، لأنها تُركت، وقد صارت فقيرة، هذه التي كانت غنية، لأنها كانت تفيض بعطايا النعمة وقد صارت في عوز، حينما حُرمت من ملء الحضور الإلهي؛ ها هي تطلب أن تُعالَج كأنها كانت قبلاً أجيرة، هذه التي سبق فتمتعت بغنى الاتحاد.

حاجتها إلى تقديرها لنفسها بالتوبة
15. يجيبها كلمة الله: "إن كنتِ لا تعرفين نفسك أيتها الجميلة بين النساء" (نش 1: 8)، لأنكِ تشتكين بأنك قد هُجرت، "إن كنتِ لا تعرفين نفسك"، أي إن لم تتوبي، إن لم تُظهري تقوى يقظة، إن لم يزد إيمانك ويَنْمُ اتكالك، لن تُجْدِي شكواك.
إن كنتِ لا تعرفين نفسك أنكِ جميلة، وإن لم تحفظي جمال طبيعتك، ولا تسود عليكِ إغراءات الجسد، ولا تعوقك موانعه، لن يُعينك شرف خليقتك مطلقًا.

تمتعي بجمال الحرية!

16. لهذا اعرفي نفسك وجمال طبيعتك، وانطلقي كأن قدميك قد تحررتا من القيود، وقد ظهرتا مَرْئية في خطواتهما المكشوفة، فلا تشعرين بأغطية جسدانية، ولا تعوق روابط الجسد خُطى ذهنك؛ فتظهر قدماك جميلتين. لأنه هكذا هو حال من اختارهم الرب للشهادة عن ملكوت السماوات، إذ قيل عنهم: "ما أجمل أقدام المبشرين بإنجيل السلام" (رو 10: 15؛ إش 52: 7).
هكذا كان حال موسى الذي قيل له: "اخلع الحذاء من رجليك" (خر 3: 5)، فإنه إذ كان مزمعًا أن يدعو الشعب إلى ملكوت الله، وجب عليه أن يخلع ثياب الجسد ويمشي بروحه وخطى ذهنه عارية. لهذا يقول الرب: "اُخرجي على آثار الغنم واِرعي جداءك عند خيام الرعاة" (نش 1: 8). نفهم أن الغنم هو الملكوت، لأن ممارسة رعاية الغنم تتطلب قوة.
أيضًا يختبر كل إنسان رعاية نفسه بنوعٍ ما بقوة ملوكية وذلك إذا ما كبح إفراط الجسد في داخله، وقمَع جسده واستعبده، لذا قيل: "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21). في هذا الصدد قال الرب للنفس: "اُخرجي"، أي "اُخرجي من العبودية"، اُخرجي من سيطرة الجسد وسلطانه. اُخرجي، لا في الجسد، بل في الروح. اُخرجي إلى سلطان القوة. لذا يُضيف: "وارعي جداءك (الصغيرة)"، أي اضبطي الأمور التي على يسارك، فإنها إذا لم تُضْبَط سرعان ما تسقط (مت 25: 33). اكبحي شهواتك. شهوة جسدك، والانغماس في الشهوات الحيوانية. اضبطي أهواءك المتقلبة، لا ترعيها عند خيام الجسد بل في خيام الرعاة الذين تعلموا كيف يقودون القطيع.
لأنه "ما أحسن خيامك يا يعقوب، مساكنك يا إسرائيل... كجنات على نهر" (عد 24: 5-6). فيها ترقد النفس كأنها مستعدة للحرب، تؤدي خدمة طيبة، تبحث عن غزوات الخصم، وتطلب النصرة بجهاد الفضيلة. فتُقارَن بجواد سليمان المطهَّم، السريع في العَدْو، والخصيب في الإنجاب، فإن خصوبة النفس مرغوبة ومطلوبة.

جاهدي كفرس في حرب

17. إنها جواد ثمين، هي مركبات فرعون السريعة (نش 1: 9).
يعتبر البعض هذا النص (نش 1: 9). إشارة إلى الكنيسة والشعب، لكنني سبق أن تحدثت عن هذا السر مرارًا خاصة في تفسير مزمور 118 (119)، بأن الحديث هنا هو عن النفس. فالنفس تُقاد مثل الفرس، أعني أن لها فضيلة نبوية أو رسولية، لأنها تُحسب ضمن الذين ملأوا كل أقاصي الأرض بخصوبة كرازتهم؛ وهم لا يزالون بعد في الجسد لا يشعرون بفقدانهم سعيهم الروحي.
 من أجل هذا تنال هذه النفس مديحًا، إذ صارت جميلة وبهية بإرشاد الوصية السماوية واستنارتها. تعكس على وجهها جمال العفة، وحينما تتحلى بقلادتها حول عنقها تظهر علامات الصبر والتواضع.
لقد أحب إسحق الحقيقي جمال مثل هذه النفس وتواضعها وصبرها، وترقب باشتياق ذريتها.

ذرية النفس الجميلة
18. الآن حبلت رفقة (تك 25: 21)، وبصبرها حلت عقدة العقم. لنتأمل ما أنجبته نفسها النبوية الرسولية، وكيف مضت تستشير الرب (تك 25: 22)، لأن الطفلين تزاحما في بطنها، فتلقت الإجابة: "في بطنك أُمتان" (تك 25: 23). لأنها لم تعطِ نفسها حق الحكم في الأمر بل سلمته لله كمدافع علوي فائق يهبها المشورة، وإذ امتلأت سلامًا وتقوى جمعت أُمتين معًا بإيمانها خلال النبوة، وأغلقت عليهما في بطنها، إن جاز التعبير.

تُحسب أختًا للجميع
19. ليس بدون سبب دُعيت أختًا أكثر منها زوجة (لواحد). فإن نفسها الرقيقة المسالمة قد اشتهرت بحبها الشديد للجميع أكثر من الاتحاد بفرد واحد؛ فقد حسبت نفسها مرتبطة بالكل (في أخوَّة) ولا تقف عند اتحادها بالواحد.

تفتح آبار الإيمان والتكريس
20. الآن، أعاد إسحق نبش عدة آبار سبق أبوه أن حفرها لكن الغرباء طمسوها بعد موت أبيه إبراهيم. بجوار تلك الآبار حفر أيضًا واحدة في وادي جرار حيث وجد هناك بئر مياه حية، وتنازع رعاة جرار مع رعاة إسحق زاعمين ملكيتهم لماء تلك البئر، فدعا اسمها ظلمًا (عسق) (تك 26: 20). ثم حفر بئرًا آخرى ثار عليها نزاع أيضًا فدعاها عداوة (سطنة) (تك 26: 21).
ثم حفر بئرًا ثالثة، ولم يحدث عليها خصام بين الرعاة، فدعاها رحوبوت أي متسعة للكل (تك 26: 22). وحفر أيضًا بئرًا لم يجد فيها ماءً فدعاها بئر القَسَم (تك 26: 25).
21. هل عندما يقرأ أحدكم (عن هذه الآبار) يحسبها أعمالاً أرضية لا روحية؟ فقد حفر إبراهيم آبارًا، وهكذا فعل إسحق أيضًا، ويعقوب، البطاركة العظماء... كأنهم كانوا ينابيع الجنس البشري، خاصة كآبار للإيمان والتكريس. لأنه ما هو بئر الماء الحيّ إلاَّ عمق الإرشاد! لهذا رأت هاجر ملاكًا بجوار بئر (تك 21: 14)، ووجد يعقوب زوجته راحيل بجوار بئر (تك 29: 2، 9-10)، ونال موسى أولى مكافآته لزواجه المستقبل بجوار بئر (خر 2: 15-22).

المعاني الرمزية للآبار (أخلاقية ثم طبيعية ثم سرية)
22. لهذا أخذ إسحق على عاتقه أن يحفر آبارًا برؤيا عميقة وبتدبير حسن، وذلك لكي تغسل بئره وتُقوِّي قدرة النفس العاقلة وبصيرتها فتصير الرؤيا أوضح.
لقد حفر آبارًا أخرى عديدة، وكُتب بهذا الخصوص: "اشرب مياهًا من آنيتك ومن نبع آبارك" (أم 5: 15LXX). كلما كثرت الآبار ازداد غِنَى فيض النعم.
نبش بئرًا سبق فحفره أبوه إبراهيم، وقد تنازع عليه رعاة جرار؛ هذا يشير إلى جدران الفصل، إذ حدث انقسام بين المتنازعين وصار ظلم، وقد دُعِيَ البئر "ظلمًا"، ثم حفر بئرًا أخرى وحينما قام النزاع دعاها عداوة. يبدو في هذا تعليم أخلاقي، لأنه ما أن تُزال جدران الفصل تُنزَع العداوة طبيعيًا. التي في جسد الإنسان ويصير العنصران (الجسد والنفس) واحدًا؛ هذا ما تحقق رمزيًا في إسحق وبالحقيقة بالمسيح. لهذا وُجِد بعد ذلك ماء نقي في البئر (الثالثة)، صالحة للشرب... وقد دعيت "رحبوت"،
 لأن الإنسان الذي يتجاوز الأمور العالمية المادية يكون هادئًا رابط الجأش يجاهد دون منازعة... ويقول: "الآن قد أَرْحب لنا الرب وأثمرنا في الأرض" (تك 26: 22)؛ لأنه قد سُمِّي على الأمور الأرضية. أما البئر الأخيرة فهي بئر القَسَم (العهد)، حيث ظهر له الله، قائلاً: "لا تخف لأني معك" (تك 26: 24)، وباركه هذا تعليم سرِّي.
23. لديكم تعليمًا مماثلاً في سليمان. سفر الأمثال الذي هو أخلاقي، وفي سفر الجامعة يستهين بأباطيل هذا العالم كأمر طبيعي. أما نشيد الأناشيد فسِرِّي.
لديكم أيضًا في النبي: "ازرعوا لأنفسكم بالبرّ، احصدوا ثمرة الحياة، اَضيئوا لأنفسكم نور المعرفة" (10: 12LXX). هذا هو نور المعرفة أن يكون لكم كمال الحب. فقد قيل: "لا تخافوا، لأن المحبة تطرد الخوف خارجًا" (1 يو 4: 18).
لنعرف أن سليمان فسَّر تلك الآبار، ونسب إليها معانٍ أخلاقية وطبيعية وسرية بالترتيب.

أ. الآبار في المفهوم الأخلاقي
24. لأنه في الأمثال إذ تحدث عن رفضه جمال الفتن العالمية حيث قال: "اشرب مياهًا من آنيتك، ومن نبع آبارك، ولتُفِضْ مياه ينبوعك لك" (أم 5: 15-16 LXX)، وأيضًا: "ليكن ينبوع مياهك لك وحدك وافرح بزوجتك" (أم 5: 18 LXX)، لأن الحكمة الحقيقية هي علاجنا ضد تجارب العالم والتعليم الأخلاقي أيضًا. فإنه بسَرَيان مياهها الفائض من نبعها تُغسَل صورة الإنسان وتتطهر هذه التي تلطخت بمساحيق مباهج العالم التي تستخدمها الزانية، إن جاز التعبير.

ب. الآبار في المفهوم الطبيعي
25. بالإشارة إلى المفهوم الطبيعي، تجدونه في سفر الجامعة: "عملت لنفسي بِرَك مياهٍ لتسقي بها المغرس المنبتة الشجر" (جا 2: 6). لا تهتموا أنه قال "بِرَك" بدلاً من "الآبار".
ج. الآبار في المفهوم السرِّي
26. تبقى لنا البئر في المفهوم السرِّي، نجدها في نشيد الأناشيد، حيث يقول الكتاب المقدس: "ينبوع جنات بئر مياه حية وسيول من لبنان" (نش 4: 15). حقًا إن أردتم سبر؟؟ عمق الأسرار تُظهِر البئر لكم حكمة سرية مؤسسة في الأعماق. لكن إن أردتم شرب وفرة الحب الأعظم والأغنى من الإيمان والرجاء فلكم نبعكم، لأن المحبة تفيض بِغنى لكي تقدروا أن تشربوها وتكون بين أيديكم، تروي جنتكم بغزارة، فتأتي بثمار روحية.
لأن الحبيب (المحب) هناك وراء بئر رحبوت، يقول الكتاب المقدس حيث يوجد الحب هناك مَجْرَى قوي يتدفق عبر لبنان.
لنَسْمَح للإنجيل أن يعلمنا (عن البئر بالمفهوم السِرِّي)، إذ كتب أن "يسوع أتي إلى مدينة من السامرة يُقال لها سوخار بقرب الضيعة التي وهبها يعقوب ليوسف ابنه، وكانت هناك بئر يعقوب. فإذ كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر" (يو 4: 5-6). بهذا نعرف أيضًا أن هذه البئر تُفْهَم سرّيًا. فالمرأة السامرية، حارسة، أعني حارسة للوصايا السماوية، تقترب من هذه البئر، لأنها تعلمت الأسرار الإلهية، تعلمت أن الله روح وأنه لا يُعْبَد في مكان بل في (بـ)الروح، وأن المسيح هو المسيّا الذي انتظره اليهود وقد جاء فعلاً (يو 4: 21-26). إذ سمعت هذه الأمور تعلمت هذه المرأة التي تُعلِن عن جمال الكنيسة، وآمنت بأسرار الناموس.

الحكمة الثلاثية الأبعاد
[يضرب القديس أمبروسيوس أمثلة متعددة للتفاسير الثلاثية للكتاب المقدس: التفسير الأخلاقي، التفسير الطبيعي، التفسير السرِّي (الرمزي)، ويدعو هذه التفاسير "الحكمة الثلاثية الأبعاد". أخذ القديس أمبروسيوس هذا الفكر عن مدرسة الإسكندرية، خاصة العلامة أوريجينوس الذي يرى أن الكتاب المقدس يُفسَّر بثلاث طرق:
أ. التفسير الحرفي أو التاريخي، يُقدَّم للبسطاء.
ب. التفسير السلوكي أو الأخلاقي.
ج. التفسير الرمزي أو السِرِّي، خاص بالنفس التي تتمتع بالشركة مع السيد المسيح، كعروس له، تنعم بأسراره وهي في حجاله.
 اكتفي هنا بتقديم بعض أمثلة مما ورد في مقال القديس أمبروسيوس.
27. في سفر نشيد الأناشيد أيضًا، يصور سليمان بوضوح تلك الحكمة الثلاثية الأبعاد، وإن كان في سفر الأمثال أوصى أن الإنسان الذي يريد أن يسمع حكمته ينبغي أن يكتبها لنفسه ثلاث مرات (أم 22: 20LXX ).
تقول العروس في نشيد الأناشيد عن العريس: "ها أنتَ جميل يا حبيبي وحلو حقًا! وسريرنا مُظلَّل، وعوارض بيتنا أَرْز، وروافدنا سِرْو" (نش 1: 16-17). يمكن تفسير ذلك أخلاقيًا؛ لأنه أين يسكن المسيح وكنيسته إلاَّ في أعمال شعبه (سلوكهم)؟ فإنه حيث توجد النجاسة والكبرياء أو الإثم "ليس لابن الإنسان أين يسند رأسه" (مت 8: 20) كقول الرب يسوع.
28. وماذا عن المفهوم الطبيعي؛ "تحت ظله ابتهجتُ للغاية وجلستُ وثمرته حلوة لحلقي" (نش 2: 3 LXX). الإنسان الذي يسمو فوق الأرضيات ويموت عن العالميات، الذي صُلب العالم له وهو للعالم، يحتقر وينبذ كل ما هو تحت الشمس.
29. بخصوص المفهوم السرِّي يقول: "أدخلني إلى بيت الخمر، ومُر لي بما أحب" (نش 2: 4 LXX). كما أن الكرمة تضم التعريشة هكذا الرب يسوع ككرمة أبدية (يو 15: 1) يحتضن شعبه كما بين ذراعيّ المحبة.
30. تأملوا كل جزء بالمفهوم الأخلاقي... "أنا زهرة الحقل، سوسنة الأودية" (نش 2: 1)، بالمفهوم الأخلاقي هو زهرة.
وبالمفهوم الطبيعي هو شمس البرّ (ملا 3: 20) الذي يُعطي نورًا عند إشراقه وقيامته ثانية... لاحظوا أنه لا يغرب عنكم، كما هو مكتوب: "لا تغرب الشمس عن غيظكم" (أف 4: 26).
وبالمفهوم السِرِّي، هو المحبة؛ لأن المسيح هو تكميل الناموس (رو 13: 10). هكذا الكنيسة التي تحب المسيح، مجروحة حبًا (نش 2: 5LXX ).

المسيح الطافر على الجبال
31. إنه يوقظها، يوقظها من جديد، لكي تسمع صوته.
إنها تدعوه ليحضر، فإذا ما دُعِي لا يأتي فقط، إنما يَأتي قافزًا! "طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال" (نش 2: 8). إنه يطفر فوق النفوس التي لها نعمة أعظم، ويقفز على تلك التي لها نعمة أقل! وربما يعني النص: كيف جاء طافرًا؟ جاء إلى هذا العالم في شكل طفرة. كان مع الآب، وجاء إلى عذراء، ومن العذراء قفز إلى مزود. كان في المزود وهو يضيء في السماء. نزل إلى الأردن وصعد إلى الصليب. هبط إلى القبر وصعد قائمًا من القبر وجلس عن يمين الآب.
كالإيل الذي يشتاق إلى مجاري المياه (مز 42: 2)، هكذا نزل إلى بولس فأضاء حوله (أع 9: 3)، وقفز فوق كنيسته التي هي بيت إيل، أي بيت الله (مي 5: 1)، لأن دعوة بولس هي قوة الكنيسة.

المسيح يتطلع من الكُوى خلف الحائط
32. جاء إذن، وكان أولاً خلف الحائط، وذلك لكي يحطم العداوة التي بين النفس والجسد، بإزالة الحائط الذي بدا كأنه يعوق الانسجام (نش 2: 9؛ أف 2: 14). ثم يتطلع من الكُوى (نش 2: 9). اسمعوا ما يقوله النبي عن الكُوى: "ميازيب من العلاء انفتحت" (إش 24: 18). إنه يعني الأنبياء الذين من خلالهم نظر الرب إلى جنس البشر قبل أن يأتي بنفسه على الأرض.
33. اليوم أيضًا، إن كانت نفس ما تطلبه كثيرًا، فإنها تستحق رحمة عظيمة، لأن من يطلب كثيرًا ينال أكثر. إن كانت نفس ما تسعى إليه بغيرة شديدة، فإنها تسمع صوته آتيًا من بعيد... إنها تراه قافزًا إليها، أي مسرعًا وراكضًا وطافرًا فوق كل الذين لا يقدرون أن يقبلوا قوته لضعف قلوبهم. وبقراءة الأنبياء وتذكُّر كلماتهم، تراه متطلعًا إليها من خلال أحجبتهم، ناظرًا كما لو كان من كُوَّة، كما لو كان حاضرًا!
تراه واقفًا فوق الشُبَّاك (نش 2: 9LXX ). فما معنى هذا، ما لم تكن (في الأول المعنى شُبَّاك وبعد ذلك المعنى شِباك؟؟؟) الشباك ليست شباكه بل شباكنا نحن؟
لأن النفس التي لا تزال وسط الأمور الزمنية المادية، هذه التي بصفة عامة تأسر فكر الإنسان وتطويه. لهذا يُظهِر نفسه خلال الشباك لمن يسعى إليه وهو وسط الأمور الزائلة. (المعنى ف الإنجيل شُبَّاك؟؟  الشبابيك)

يجتذب النفس الساعية إليه
34. يقول لمثل هذه النفس (الساعية إليه): "قومي، اِنهضِي يا حبيبتي" (نش 2: 10)، أي انهضي من ملذات العالم، قومي من الأمور الأرضية وتعالي إليَّ، يا من مازلتِ تعملين وأنتِ مثقلة (مت 11: 28). لأنك منشغلة بالأمور الزمنية، تعالي عَبْرَ العالم، تعالي إليَّ فإني قد غلبت العالم. اقتربي فإنكِ جميلة، مُزيّنة بالحياة الأبدية، أنتِ الآن حمامة (نش 2: 10)، لأنك وديعة ولطيفة. الآن أنتِ مملوءة بالكامل بالنعمة الروحية، فيليق بكِ ألاَّ تخشي الشباك. هذا حق للغاية، فإن مَنْ لا تسبيه تجارب العالم وشباكه (سيراخ 9: 13) تسمو نفسه.
فإننا نحن البشر نسير وسط فخاخ، مُعرَّضون للشباك باشتياقنا للقوت، أما هو فإذ سكن في الجسد لم يخش الشباك بل وقف فوقها، أي فوق تجارب العالم وأهواء الجسد، وبالأكثر جعل آخرين يقفون فوق الشباك.

يهب للنفس ثمرًا
35. ومِن ثَمَّ، فإنه إذ يرغب في تثبيت تلك النفس يقول: "قومي، يا حبيبتي، لا تخشي الفخاخ لأن الشتاء قد مضى" (نش 2: 11)؛ أي قد جاء الفصح (عيد القيامة في الربيع)، جاء الفصح وغفران الخطايا، وبطلت التجربة، وانقضى المطر (نش 2: 11)، ومضت العاصفة والضيقة. قبل مجيء المسيح كان شتاء، وبعد مجيئه كانت الزهور. في هذا الصدد يقول: "الزهور ظهرت في الأرض" (نش 2: 11)، قبلاً كانت أشواكًا والآن توجد زهور. "بلغ أوان القضب" (نش 2: 11). قبلاً كانت قفرًا والآن حصاد. "وصوت الحمامة سُمِع في أرضنا" (نش 2: 11). أحْسَنَ النبي بإضافته "أرضنا"، إذ يتعجب أنه إذ وُجد قبلاً نجاسة صارت الآن طهارة.
36. "التينة أخرجت فجَّها" (نش 2: 13). سبق فأمر بقطعها لأنها لم تُعطِ ثمرًا (لو 13: 7)، لكنها بدأت الآن تُخرج ثمرًا.
لماذا تتردَّدون عندما قال "فجَّها"؟ لقد عَصَف بالذين جاءوا قبلاً لكي يأتي بالأفضل فيما بعد، وذلك كما رفض ثمر المجمع اليهودي أما ثمر الكنيسة فيتجدد.

يحمي النفس في صليبه
37. بالرغم مِنْ تَوفُّر الهدوء الكامل وبلوغ خطة الخلاص منتهاها، يقول: "قومي آمنة في محاجئ الصخر" (نش 2: 13-14 LXX)، أي آمنة في حماية آلامي وخلف حصن الإيمان، لأنهم "رضعوا عسلاً من حجر، وزيتًا من صوان الصخر" (تث 32: 13 LXX). إذ تتسربل نفس البار بستر الإيمان هذا، لا تتعرَّى الآن بل تكون لها كحصن، لهذا يقول لمثل هذه النفس: "تعالي أيضًا يا حمامتي في ستر الصخرة بقرب الجدار (الحصن)، أريني وجهك، أَسْمعِيني صوتك" (نش 2: 14 LXX).
إنه يحثها على الاتكال عليه فلا تخزى من صليب المسيح وخيمته (2 تي 1: 8؛ نش 8: 6). إنه يحثها على الاعتراف؛ يريد لكل الحيل أن تتنَحَّى جانبًا حتى تنتشر رائحة الإيمان الذكية (2 كو 2: 15-16)، حتى يُشرِق النهار ببهاء، ولا يؤذي ظل الليل البهائم. فإن من يقترب من المسيح يقول: "قد تناهى الليل وتقارب النهار" (رو 13: 12).
يمضي ظل الأمور العالمية، ويُشرِق نور الأمور السماوية – المسيح - على قديسيه. مثل هذه النفس تنال تأكيدات الحب الذكي

العودة إلى : 

نشيد الانشاد ـ القديس امبروسيوس ـ 5 ـ جهاد النفس المؤمنة


خامساً : جهاد النفس المؤمنة

التزام النفس باليقظة
38. يلزمنا أن نكون دومًا يقظين ساهرين، لأن كلمة الله يقفز كغزال أو كالإيل (نش 2: 9) يليق بالنفس التي تطلبه وتتوق إلى امتلاكه أن تكون في يقظة دائمة، وتحافظ على وسائل دفاعها. "في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي" (نش 3: 1)، كأنه يتسلل إليها.
يلزم أن من يطلب باهتمام، يطلب وهو في فراشه، يطلب في المساء، فلا تكون له ليالٍ ولا أجازات، لا يخلو وقته من خدمة صالحة. وإن لم يجده في بادئ الأمر فليثابر في البحث عنه. لهذا تقوم النفس: "إني أقوم وأطوف في المدينة، في الأسواق، وفي الشوارع" (نش 3: 2). ربما لا تجده الآن، لأنها بحثت عنه في الأماكن العامة حيث دعاوي الحكم والقضاء وفي الشوارع والأسواق، حيث بضائع للبيع، فالمسيح لا يمكن أن يُقتنى بأي قدر من المال.
أين تجد النفس عريسها؟

يرى القديس أمبروسيوس أن النفس المؤمنة تجد عريسها السيد المسيح في الأماكن التالية:

أ. في الأماكن العامة للمدينة: حيث يُقدم زيت النعمة المجانية للجميع، وحيث يشرب المؤمنون من الينابيع الحية في الشوارع.
ب. داخل النفس، بكونها المدينة المسوَّرة بالسيد المسيح والساكن فيها في نفس الوقت.
ج. في الكنيسة، أورشليم السمائية، حيث كلمة التعليم الصادقة وروح العبادة.
39. يمكننا أيضًا أن نفسر العبارة على النحو الآتي: النفس التي تطلب المسيح على فراشها، أي تطلبه وهي في هدوء وسلام، تبحث عنه ليلاً، لأنه تحدث بأمثال (كما في غموض الليل) (مت 13: 13؛ حز 21: 5). "جعل الظلمة ستره" (مز 18: 11)، و "الليل إلى ليل يُبْدي علمًا" (مز 18: 11). وأيضًا "لأن ما نقوله في قلوبنا نندم عليه في مضاجعنا" (مز 4: 4). لكنها لا تجده بهذه الوسيلة، لهذا تقول: "سأقوم"،
أي أقوم وأضاعف جهدي، لأبحث عنه بلا هوادة، سأبحث عنه بدقة، سأدخل المدينة (أي تدخل أعماقها بكونها مدينة الله). تقول النفس: "أنا مدينة قوية، مدينة مسوّرة" (إش 27: 3LXX ). وهي المدينة المسوَّرة بالمسيح؛ المدينة هي أورشليم السمائية (عب 12: 22) التي يوجد فيها مُفَسِّرُو ناموس الله ورجال حاذقون في التعليم بوفرة عظيمة، خلالهم يطلب الإنسان كلمة الله.
"أطوف في الأماكن العامة للمدينة"، أي في الساحات التي يمارس فيها المحامون القانون، وحيث يُباع الزيت الذي تشتريه عذارى الإنجيل الحكيمات (مت 25: 8-9) لكي تستضيء مصابيحهن على الدوام، ولا يُطفئها دخان الإثم.
أطوف في الشوارع حيث تفيض المياه المتدفقة من تلك الينابيع، التي يقول سليمان بأنه ينبغي على الإنسان أن يشرب منها.

لنتطلع إلى ما وراء الملائكة
40. وبينما تطلب (النفس) المسيح، تجد الحراس الذين في خدمته (نش 3: 3)؛ لكن النفس التي تطلب الله تتجاوز أيضًا الحراس، فإنها تطلب الأسرار التي تشتاق حتى الملائكة أن تطَّلع عليها. في هذا الصدد يقول بطرس: "التي أُخبِرْتم بها أنتم الآن بواسطة الذين بشروكم بالإنجيل في الروح القدس المرسل من السماء التي تشتهي الملائكة أن تَطَّلع عليها" (1 بط 1: 12) الإنسان الذي يتجاوز إلى ما وراء الحراس يجد الكلمة. لقد تجاوز يوحنا فوجد الكلمة مع الآب (يو 1: 1).

المسيح حاضر في ضيقات مؤمنيه
41. يوجد كثيرون يطلبون المسيح في تَرَفِهِم فلا يجدونه، إنما يجدونه في الاضطهادات، يجدونه سريعًا... لأنه حاضر في ضيقات مؤمنيه. تقول النفس: "فما جاوزتهم إلاَّ قليلاً حتى وجدت من تحبه نفسي فأمسكته ولم أُرخِه (لم أَدَعه يذهب)" (نش 3: 4 LXX)، لأن من يطلب يجد (مت 7: 8)، ومن يجد يليق به أن يظل قريبًا منه حتى لا يفقده.

المسيح ليس في القبر!
42. إذ نرى الأسرار السماوية تُمثَّل رمزيًا على الأرض من خلال الإنجيل فلنأْتِ إلى مريم المجدلية ومريم الأخرى (مت 28: 1؛ لو 24: 3، 10). فلنتأمل كيف طلبَتا المسيح ليلاً في سرير (فراش) جسده، الذي رقد عليه ميتًا، حين قال لهما الملاك: "إنكما تطلبان يسوع المصلوب؛ ليس هو ههنا، لأنه قام... لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟" (مت 28: 5-6؛ لو 24: 5).
لماذا تطلبْن في القبر ذاك الذي هو الآن في السماء؟ لماذا تطلبْن في قيود القبر من يحرر الجميع من رباطاتهم؟ ليس القبر سكناه إنما السماء! لهذا تقول إحداهن: "طلبته فما وجدته" (نش 3: 1).

اِمسكيه أيتها النفس بالإيمان!
43. إذ ذهبتا تخبران الرسل أشفق يسوع على طالبيه، إذ قابلهم وقال لهم: "سلام!". نهضوا وأمسكوا بقدميه بقوة وسجدوا له (مت 28: 9). يُمْسِك يسوع بقوة، وهو يُسَرُّ بذلك، أن يُمسك بقوة بالإيمان. أيضًا المرأة التي لمسته قد أَبْهجته، وقد شفيت من نزيف الدم؛ إذ قال عنها: "قد لمسني واحد، لأني علمت أن قوة قد خرجت مني" (لو 8: 46).

المسوه وامسكوه بقوة الإيمان.
امسكوه بالإيمان جيدًا بقدميه، فتخرج منه قوة وتشفى نفوسكم.
مع أنه يقول "لا تلمسيني، لأني لم أصعد بعد إلى أبي" (يو 20: 17). امسكوه بقوة! إنما قال مرة واحدة فقط: "لا تلمسيني!"
في وقت قيامته... قالها لمن ظنت أنه سُرِق ولم يقم بقدرته الذاتية! لكنكم تقرأون في إنجيلٍ آخر أنه قال للنسوة اللواتي كن يمسكْن قدميه بقوة ويسجدْن له: "لا تخفْن" (مت 28: 10).
لتمسكيه أيتها النفس بقوة كما فعلت مريم (المجدلية)، وقولي: "أمسكته ولم أرخه"، وكما قالت المرأتان أيضًا: "نحن نمسكك بقوة".
اذهب إلى الآب، لكن لا تترك حواء خلفك لئلا تسقط مرة أخرى! خذها معك، لأنها الآن لا تجول شاردة بل تتمسك بقوة بشجرة الحياة. أمسك بها فتلتصق هي بقدميك وتصعد معك. لا تَدعْني أذهب (بعيدًا عنك) لئلا تنفث الحية سمَّها مرة أخرى، وتحاول لدغ قدم المرأة فتُسْقِط آدم (تك 3: 5).
لتقل نفسك: "فأمسكته ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة مَنْ حبلت بي" (نش 3: 4، 8: 2).

لأعرف أسرارك وأنهل من تعاليمك.
خذ حواء، ولكن ليست وهي مغطاة بأوراق التين (تك 3: 7). وإنما وهي مكسوَّة بالروح القدس ومجيدة بنعمة جديدة. لذلك فهي لا تختبئ كمن هي عريانة (تك 3: 8-13)، إنما تأتي لمقابلتك متسربلة بثوب بهي ساطع، إذ تصير النعمة ثوبها. وذلك كما كان آدم في البداية حيث لم يكن عاريًا لأنه كان مرتديًا البراءة

التصقي به واصعدي معه بالصلوات الورعة والإماتة
44. تراها بنات أورشليم (نش 3: 5) وهي ملتصقة بالمسيح ولا تزال تصعد معه، إذ يَقْبل أن يلتقي مع مَنْ يطلبونه ويستجيب لهم ليرفعهم؛ فيقلْنَ: "من هذه الطالعة من البرية؟" (نش 3: 6)، إذ تبدو هذه الأرض برية قاحلة. فهي مملوءة بحسك خطايانا وأشواكها. إنهن يتعجَّبْن كيف أن نفسًا قد هُجِرت قبلاً في الجحيم تلتصق بكلمة الله وترتفع كغصن الكرمة الذي يعلو في المناطق المرتفعة أو كدخانٍ صادر من النار يطلب المرتفعات، وهي معبَّقة بأطياب زكية.
ها رائحة صلاة ورعة ذكية تنبعث كبخور قدام الله. نقرأ في الرؤيا أنه قد "صعد دخان البخور مع صلوات القديسين" (رؤ 8: 4، مز 141: 2). ويُقدَّم البخور - أي صلوات القديسين - بواسطة ملاك "على مذبح الذهب الذي أمام العرش" (رؤ 8: 3).
إنها بحق معبقة بالدهن الحلو للصلاة الورعة، فقد أُعِدَّ الدهن بالصلوات لأجل الأبديات غير المنظورة، وليس لأجل الأمور الجسدانية.
أكثر من هذا، فإن النفس معطَّرة بالبخور والمرّ (نش 3: 6)، لأنها ميتة عن الخطية وحيّة لله (رو 6: 2، 11).
45. تراها (بنات أورشليم) تصعد دون عائق، فتفرحْنَ لشذى(لشذا) استحقاقاتها الطيب، إذ يعرفْن أيضًا أنها عروس سليمان صانع السلام، لهذا تتبَعْها في موكب موالٍ حتى تخت سليمان (نش 3: 7)، لأن الراحة الحقيقية اللائقة بها هي في المسيح الذي هو تخت القديسين، الذي فيه تستريح قلوب جميع المثقلين بحروب العالم. على هذا التخت استراح إسحق، وبارك ابنه الصغير (تك 27: 27)، قائلاً: "الكبير يُستعبد للصغير" (تك 25: 23).
 وإذ اتكأ يعقوب على هذا التخت بارك الاثني عشر بطريركًا (تك 48: 2، 49). وبالاستلقاء على هذا التخت قامت ابنة رئيس المجمع من الموت (مز 5: 35-43). وبالرقاد على ذلك التخت حطم ابن الأرملة الميت قيود الموت حينما دعاه صوت المسيح (لو 7: 11-17).

تمتعي بأغنية الحب الزيجي
46. وحينما اُقْتِيدتْ العروس إلى موضع الراحة في عرسها غنت بنات أورشليم لها أغنية الزواج وعبَّرْن عن الحب: "اُخرجْن وانظُرْن الملك سليمان بالتاج الذي توَّجْته به أمه في يوم عرسه" (نش 3: 10-11). إنهن يُرنّمْنَ أغنية الزفاف ويدعون القوات السمائية الأخرى أو النفوس لترى حب المسيح نحو بنات أورشليم (نش 3: 11). بهذا استحق أن تُتوِّجه أمه، كابن مُحبّ، وكما يوضح بولس قائلاً: "أَنقذَنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابنه المحب (ابن محبته)" (كو 1: 13). فهو إذن ابن المحبة وهو محبة. إنه لا يقتني الحب عرضًا لكنه يملكه في جوهره...
يُقال: "اُخرجْنَ" أي "اُخرجْنَ من حدود الجسد"، اُخرجْنَ من أباطيل العالم، وانظرْنَ كيف يحمل ملك السلام الحب في يوم عرسه، كيف هو مملوء بالمجد، إذ يَهَب قيامة للجسد ويوحّد النفس به (بالمسيح). هذا هو إكليل الجهاد العظيم. هذه هي الهبة الرائعة لزواج المسيح: دمه وآلامه! ماذا يمكن أن يُعطى أكثر من هذا؟ إنه لم يبخل بنفسه بل بذل ذاته بالموت لأجلنا (رو 8: 32).

استوطني مع العريس السماوي
47. إذ يفرح الرب يسوع نفسه بإيمان هذه النفس واعترافها ونعمتها، يمتدح استحقاقها، ويدعوها إلى الاقتراب منه، قائلاً: "هلمي معي من لبنان يا عروسي. تعالي معي من لبنان، ستأتين. أجل، تعالي آمنة من المنبع الذي هو الإيمان، من رأس شير وحرمون، من خُدور الأسود، من جبال النمور" (نش 4: 8LXX ). أي اخرجي من الجسد، وتجردي منه تمامًا، فإنه لا يمكنك أن تكوني معي ما لم تخرجي عن الجسد، لأن الذين هم في الجسد متغربون عن ملكوت الله (2 كو 5: 8).
"تعالي... تعالي". التكرار هنا حسن، لأنكم سواء كنتم حاضرين (في الجسد) أم غائبين (عنه) يلزمكم أن تستوطنوا عند الرب إلهكم وأن تسرّوه. تعالوا عندما تكونون حاضرين، وتعالوا عندما تكونون غائبين، وأنتم لا تزالون في الجسد، لأنه بالنسبة لي فجميعكم حاضرون يا مَنْ إيمانهم معي.
إنه معي، ذاك الذي يخرج من العالم.
إنه حاضر معي مَنْ غاب عن ذاته.
إنه مستوطن عندي مَنْ ينكر نفسه (مز 8: 34).
هو معي مَنْ ليس داخل نفسه، لأنه مَنْ كان في الجسد لا يكون في الروح.
إنه معي مَنْ يخرج عن ذاته.
إنه يقترب مني مَنْ كان خارجًا عن ذاته.
إنه بكلّيته لي مَنْ فقد حياته لأجلي (مت 10: 39).
تعالي، تعالي، يا عروسي. إنك ستأتين أمان تعالي آمنة من المنبع الذي هو الإيمان. إنها تأتي، أجل تأتي في أمان من الأرض، تأتي في أمان إذ تجيء إلى المسيح. تأتي باستحقاق الإيمان، ومجد الأعمال التي تُشرق مثل شير وحربون، أي تأتي في طريق نور وقد غَلبت تجارب العالم، وقهرت أرواح الشر (أف 6: 12). تطلب إكليل الجهاد القانوني وتستحق أن تُمدح من المسيح الديّان.

عريسك يمتدح طهارتك
48. "أنتِ جنة مغلقة يا أختي العروس، جنة مغلقة، ينبوع مختوم، أغراسك فردوس رمان مع أثمار أشجار ونباتات عطرة" (نش 4: 12-13 LXX).
تُمدح العروس لأنها جنة، لها في داخلها أريج حقل مثمر، يقول عنه إسحق: "رائحة ابني كرائحة حقل مبارك (مثمر)" (تك 27: 27). النفس الصالحة تكسب شذى البرّ...
الجنة مغلقة حتى لا تغزو الحيوانات الضارة النفس، والينبوع مختوم لتغْسِل آثامها بكمال الختم (ختم المعمودية) وبثباتها في الإيمان.
الينبوع الذي ينبع من الكنيسة يحمل ما يُنسَب إلى نعمة البتولية. دُعِيَ بحق ينبوعًا مختومًا، لأن صورة الله غير المنظور (كو 1: 15) متمثلة فيه.
يوجد أيضًا مديح للنفس التي يرسلها العريس فتأتي متشحة بها. عطايا النفس الورعة هي الأطياب الذكية التي للمرّ والزعفران التي تفوح في الجنات الجميلة والتي تنزع نتانة الخطايا.

عريسك يطلب ثمرك
49. إذ لا تنزعج بهذا الإعلان العظيم تسأل ريح الشمال العاتية أن تسكن حتى لا تحطم الزهور، وأن تهبّ ريح الجنوب، أي أنها تريد أن ينتهي الشتاء وتحل نسمات فصل ألطف هو الربيع (نش 4: 16، 2: 11). لماذا لم يكتب الاصحاح الأصغر الأول؟؟؟
إنها تدعو عريسها إلى جنتها (نش 4: 16)، لينزل ويبتهج بتنوّع ثمارها، يفرح إذ يجد طعامًا أقوى وأحلى. يوجد نوع من خبز الكلمة والعسل، يوجد حديث أكثر غيرة وإقناعًا. يوجد إيمان يُعطي دفئًا أكثر من الخمر، وأكثر نقاوة يشبه مذاق اللبن. يقتات المسيح فينا من هذا الطعام ويشرب من هذا الشراب.
يطالبنا بالخمر المسكر الذي به نرحل عن الأمور الدنيا إلى ما هو أفضل

العودة إلى :